النقد الذاتي لعلال الفاسي وراهنيته في ازدهار الأمة المغربية- قراءة مقتضبة

17 ديسمبر 2025

ذ. محمد المهدي اقرابش 

عضو أكاديمية نيم الفرنسية وعضو منتدى الإسلام بفرنسا

عضو مؤسس للجامعة الشعبية للأديان بنيم الفرنسية

يُعَدُّ الفقيه و العالم والمفكر محمد علال الفاسي من أقطاب ورواد الحركة الوطنية التي دعمت وآزرت المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه في كفاحه لنيل استقلال المغرب.

نبغ الفقيه علال الفاسي منذ صغره في التحصيل العلمي، فصار عَلَماً دالاًّ على النخبة العالِمة والمثقفة العضوية المتخرجة من جامع القرويين. فَدَرَّسَ وحاضَرَ ونظم الشعر وهو في أول شبابه.

وإن المرء ليعجب عند قراءته لأبياته التي نظمها وهو لم يجاوز خمسة عشر عاما من عمره:

أبَعْدَ مرورِ الخمس عشْرةَ ألعبُ / وأَلهُو بِلَذاتِ الحياةِ وأَطربُ؟

ولـي نـظـرٌ عـالٍ ونـفـسٌ أبـيـةٌ / مُـقـاماً علـى هـام المجـرة تطـلـبُ.

وعـنديَ آمال أريـد بلوغـها / تضيع إذا لاعبتُ دهري وتذهبُ.

ولي أمة منكودةُ الحظ لم تجد / سبيلا إلى العيش الذي تتطلبُ.

قضيت عليها زهو عمري تحسرا / فما ساغ لي طعم ولا لذ مشربُ.

ولا راق لي نوم، وإن نمت ساعة / فإني على جمر الغضا أتقلبُ.

لقد كان علال الفاسي رحمه الله ثاقب الفكر، عالي الهمة، طموح النفس، شجاع الفؤاد. وصفه العلامة عبد الله كنون – أثناء حديثه في ندوة تكريمية للعالم الفقيه أبي شعيب الدكالي رحمه الله- بِعَبْدُه المغرب. فجعله بوصفه قرينا و صِنْواً للشيخ الأزهري الإمام محمد عبده، أحد رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر.

كان علال الفاسي مهتما بأحوال أمته وما تعانيه من استعمار وجهل وتخلف، بعد أن كانت في عزة وقوة وإباء وعلم ومنعة.

نفاه المستعمر الفرنسي إلى الغابون ثم إلى الكونغو لكيلا يَتَّبِعَهُ المغاربةُ بسبب حُسْنِ منطقِه وقوةِ حجته رحمه الله تعالى.

لقد ذهل أبناءٌ من أمتنا عن الاستفادة من اجتهادات وفكر هذا الطود الأشم في العلم والمعرفة والعمل.

فقد كان رحمه الله فقيها ومفكرا واقعيا، عارفا بقواعد الفقه وأصوله وملما بأدوات الاجتهاد في الشرع ومقاصده.

لم يخاطب الناس من برج عاجي، بل نزل رحمه الله إلى الميدان فعمل و دافع عن مبادئ وقيم الدين الحنيف و عن الوحدة الترابية للأمة المغربية. وقد كتب الله له منيته وهو يدافع عن قضايا بلده في قصر الحكم ببوخارست في رومانيا سنة 1974 ميلادية.

يُعَدُّ كتابُهُ “النقد الذاتي” المؤَلَّفُ عام 1949 ميلادي، والصادر عام 1952 ميلادي، من أهم كتب الفكر العربي التي تعنى بنقد الذات الفردية والجماعية.

وهي جرأة في الصراحة مع الذات، وعنوان على قوة الضمير الذي يشهد على نفسه معترفا بأخطائه وناقدا لتصرفاته. فهو لم يُلْقِ باللائمة كلِّهَا في كتابه على الاستعمار الفرنسي للمغرب لأن المستعمر كان قد وجدها فرصة سانحة لاحتلاله فحمل عليه بقضه وقضيضه وعده وعتاده.

انتقد علال الفاسي التخلف الذي عصف بالمجتمع بسبب الجمود الفكري و الفهم السيء للدين والإيمان بالخرافة. كما انتقد ضعف الضمير وغياب الشعور بالمسؤولية إن على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعة، وإن شئنا بمفهومنا المعاصر على مستوى المؤسسات.

لقد ربط العالم الفقيه علال الفاسي الإصلاح الديني بقيم الحرية والعدل. ودعا إلى إصلاح التعليم والأسرة والنهوض بهما من خلال التفكير بالمثال والنموذج. كما أكد رحمه الله على وجوب الاعتناء بالمرأة والشباب وجعل التفكير مواكبا للوازم ومقتضيات العصر. تدل كتاباته على عناية فكرية بكل ما يعزز الإبداع و تنمية الفكر بدل التكرار والترداد والاكتفاء بالتقليد.

ويرى رحمه الله أن تحصين ذات الأمة المغربية لا يكون إلا ببناء وعي وطني شامل كفيل بالنهوض بجميع الميادين والقطاعات.

إن هذا التراث هو ملك للمغاربة كلهم بل للعرب والمسلمين جميعا. و لِنَدَعْ من تحامل عليه لأسباب سياسية أوإيديولوجية واهية. وإن لم تكن كذلك فحسْبُ المرء أن يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، فالعصمة كما قيل لا تكون إلا لنبي.

جميل أن يحتفي العلماء والمفكرون والمثقفون وأربابُ الحِجَى و القلم بهذا الكتاب الفريد “النقد الذاتي” ومؤلفِه. و ما أحوجنا إلى إعادة قراءته وتحليله في واقعنا المعاصر.

لقد سبق علال الفاسي رحمه الله أقرانه و زمنه بمراحل فترك أثرا لا يمحوه الدهر.

و ذلك فضل الله يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...