الموت: حتمية طبيعية أم عبور ميتافيزيقي؟
محمد علي لعموري
ليس هناك موضوعٌ شغل الإنسان مثلما شغله الموت. فمنذ أن بدأ الوعي البشري يتساءل عن معنى الوجود وحدوده، كان الموت حاضرًا بوصفه السؤال الأكثر إرباكًا، والهاجس الذي يمنح الحياة قيمتها ويكشف هشاشتها في آن واحد. ولعلّ اختلاف تصورات المجتمعات حول الموت يعكس، في العمق، اختلاف نظرتها إلى الحياة نفسها.
عبر التاريخ، تعددت المقاربات التي حاولت فهم الموت وتفسيره. فالثقافات القديمة نسجت حوله الأساطير، والديانات منحته بعدًا غيبيًا، فيما سعى الفلاسفة إلى التفكير فيه باعتباره تجربة وجودية قصوى، لا يمكن للإنسان أن يختبرها إلا مرة واحدة.
وفي مقابل هذه القراءات الرمزية والروحية، جاء العلم الحديث ليقدّم تصورًا مختلفًا، يسعى إلى تجريد الموت من غموضه وتحويله إلى ظاهرة قابلة للتفسير البيولوجي.
من المنظور العلمي، يُعرَّف الموت بوصفه التوقف النهائي للوظائف الحيوية في جسم الكائن الحي، نتيجة تعطّل الأعضاء الأساسية، وعلى رأسها الدماغ والقلب.
ويحدث هذا التوقف لأسباب متعدّدة، منها التقدّم في السن، والأمراض المزمنة، والحوادث، إضافة إلى أنماط العيش غير الصحية التي تُسهم، مع مرور الوقت، في إنهاك الجسد وتسريع فنائه. ووفق هذا التصور، لا يحمل الموت أي معنى خارج كونه نهاية بيولوجية للحياة.
غير أن هذا التعريف، على دقته العلمية، يبدو قاصرًا عن استيعاب الأبعاد النفسية والرمزية التي يحمّلها الإنسان للموت. فالإنسان لا يتعامل مع الموت بوصفه واقعة جسدية فحسب، بل كحدث يمسّ المعنى، ويستدعي الخوف، والحداد، والأسئلة الكبرى حول المصير.
من هنا، تنظر المعتقدات الدينية والروحية إلى الموت باعتباره انتقالًا من حياة مؤقتة إلى حياة أبدية، أو عبورًا من عالم فانٍ إلى عالم آخر خالد.
وفي هذا الإطار، يتحوّل الموت من نهاية مخيفة إلى مرحلة ضمن مسار وجودي أوسع، تُمنح فيه الحياة معناها الأخلاقي، ويُعاد تنظيم العلاقة بين الفعل الإنساني والجزاء.
وبين هذين التصورين، العلمي والميتافيزيقي، تتشكل نظرة الإنسان المعاصر إلى الموت. فهو يعيش تناقضًا دائمًا بين عقل علمي يقرّ بحتمية النهاية البيولوجية، ووجدان ثقافي وديني يرفض اختزال الموت في مجرد توقف للوظائف الحيوية.
وهذا التوتر هو ما يفسّر استمرار حضور طقوس الموت، وممارسات العزاء، والرموز الجنائزية، حتى في أكثر المجتمعات حداثة.
ولا يمكن فهم الموت خارج السياق الاجتماعي الذي يُحتضن فيه. فالموت ليس تجربة فردية خالصة، بل حدث جماعي يوقظ الذاكرة، ويعيد ترتيب العلاقات، ويكشف هشاشة الإنسان أمام الزمن. ولهذا، تختلف دلالاته باختلاف الثقافات، فبعض المجتمعات تتعامل معه بوصفه نهاية مأساوية، فيما تراه أخرى جزءًا طبيعيًا من دورة الحياة.
في المحصلة، يظل الموت إشكالية مفتوحة لا تستنفدها قراءة واحدة. فهو حتمية بيولوجية من جهة، وتجربة وجودية وروحية من جهة أخرى. وبين ما يقوله العلم وما تؤمن به الثقافات، يستمر الإنسان في البحث عن معنى يخفف من وطأة الفناء، ويمنح للحياة قيمتها القصوى.
التعليقات