المغرب بين مقولة العروي ومقولة الحسن الثاني

24 يناير 2026

محمد علي لعموري
ضمن المؤرخ المغربي عبد الله العروي، في قراءته لمسار الدولة المغربية، مقولة لافتة شبّه فيها المغرب بـ«جزيرة مطوّقة»، وهي فكرة بات يستحضرها البعض اليوم في سياقات مختلفة، من بينها النقاش الذي أعقب خسارة المغرب لكأس إفريقيا، وما رافقها من تصرفات خرجت عن إطار التنافس الرياضي السليم. غير أن هذه المقولة، بعيدًا عن التوظيف الظرفي، تختزل رؤية تاريخية عميقة لطبيعة الموقع المغربي وتعقيدات محيطه.

فالموقع الجغرافي للمملكة لم يكن يومًا عنصر حياد، بل شكّل عبر التاريخ مصدر قوة بقدر ما كان باعثًا على التوجس. فالمغرب يطل على واجهتين بحريتين، إحداهما لا تفصله عن أوروبا سوى كيلومترات قليلة، والأخرى هي المحيط الأطلسي الذي اعتُبر قديمًا فضاءً غامضًا ومفتوحًا على المجهول.

وإلى جانب ذلك، ظل المغرب متجذرًا في عمقه الإفريقي، حيث تشير القراءات التاريخية إلى امتداد نفوذه جنوبًا، وإلى حضور سياسي وروحي راسخ داخل القارة.

هذا الموقع المتميز جعل المغرب محط أطماع متكررة، سواء من قوى إقليمية أو إمبراطوريات عابرة للحدود.

وقد تعاملت بعض هذه القوى مع المغرب، في لحظات ضعفه، باعتباره فضاءً قابلًا للاختراق، غير أن وجود الدولة المغربية، واستمرارية السلطنة، حالا دون إدخاله في المسار نفسه الذي عرفته بلدان مجاورة.

وهو ما يفسر الحديث المتكرر عن «الاستثناء المغربي» في الكتابات التاريخية والسياسية.

لقد أبان المغرب، عبر الزمن، عن قدرة لافتة على تدبير الأزمات بنَفَس طويل، لا يقوم على ردود الفعل السريعة، بل على امتصاص الصدمات والحفاظ على تماسك الداخل. وحتى بعد مرحلة الاستعمار، وما صاحبها من اقتطاع لأجزاء من الجغرافيا الوطنية وخلق إشكالات حدودية مزمنة، ظلّ الرهان المغربي منصبًّا على تثبيت الاستقرار وبناء الدولة، بدل الارتهان لمنطق الصدام الدائم.

وفي هذا السياق، تبرز رؤية الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان يؤكد في أكثر من مناسبة أن المغرب إفريقي بالانتماء، متوسطي بالأفق، ومنفتح على أوروبا بحكم التاريخ والجغرافيا.

وهي رؤية لا تناقض مقولة العروي بقدر ما تُكملها: فالمغرب، وإن كان واعيًا بحساسية محيطه، لم ينظر يومًا إلى هذا الطوق باعتباره قدرًا خانقًا، بل شرطًا لإدارة الحركة بذكاء داخل فضاء إقليمي معقد.

اليوم، حين تتكثف أشكال الاستهداف الصريحة والمستترة ضد المغرب، تحضر قراءة العروي كتذكير بضرورة الحذر، وحين يختار المغرب الاستثمار في عمقه الإفريقي وبناء شراكات استراتيجية جنوب ـ جنوب، تستعاد رؤية الحسن الثاني باعتبارها أساسًا سياسيًا لهذا التوجه. وهكذا يلتقي التاريخ بالجغرافيا، وتلتقي الذاكرة بالقرار.

وفي النهاية، لا تبدو هاتان المقاربتان متعارضتين، بل تعبيران عن وعي مزدوج بالذات المغربية: وعي بحدود الموقع ومخاطره، ووعي بإمكانات الانفتاح والامتداد. فالمغرب لم يكن يومًا كيانًا منغلقًا ولا فضاءً بلا ضوابط، بل توازنًا دقيقًا بين الحذر والانفتاح.

ولعل قوته الحقيقية لم تكن في كسر الأطواق، بل في التعايش معها دون أن تتحول إلى عبء خانق، وفي تحويل الجغرافيا من عامل ضغط إلى مجال للاختيار، ومن التاريخ من ذاكرة صراع إلى رصيد حكمة واستمرار.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...