محمد خياري
في ظهيري تعيين شيخي الطريقة التيجانية والكتانية عام 2009، جاء التنصيص على أن شيخ الطريقة مكلَّف بأداء مهامه الشرعية النبيلة تحت الإشراف الروحي والشرعي لأمير المؤمنين، ذلك المرجع الأوحد في شؤون الدين جميعها، بما فيها رعاية التصوف والزوايا. وحثَّ الظهير الشريف شيخ الطريقة على العناية بأحوالها، والقيام بواجب التربية الروحية، والهداية الأخلاقية، والتزكية السلوكية، وفق منهج التصوف السني المتمسك بسنة المصطفى ﷺ.
من منظور السياسة الشرعية، ينبغي لشيخ الطريقة الصوفية، مهما كثر مريدوه واتسعت دوائر ولائهم، ألا يغترَّ بامتداد الصيت أو انتشار الذكر، فالرابطة الروحية، على علوِّ شأنها وسُمُوِّ قدرها، تظل دون رابطة أرقى وأسمى، هي رابطة البيعة الشرعية التي تجمع أمير المؤمنين برعاياه داخل المغرب وخارجه، كالنجوم تتألق في فلك الشمس الواحدة. فأمير المؤمنين هو الشيخ الأعلى، الذي يتحد فيه سلطان الظاهر وسرُّ الباطن، الوارث الحقيقي لسنة النبوة، والحارس الأمين لأسرار الشريعة؛ يحمل لواء الإيمان، ويدافع عن كيان الأمة من فتن الزمان وأهواله، كجبل شامخ يحمي الوديان من عواصف العواصف العاتية.
إن أهل المغرب الأقصى، قبل أن تغمرهم بحار الطرق الصوفية، وتتشعب بهم ميادين الأحزاب والتنظيمات، هم أولاً وقبل كل شيء رعايا أمير المؤمنين، مربوطون بعهد بيعة وميثاق يربط بين الروح والجسد، والقلب والعقل، في وحدة لا تنفصم عراها. تلك البيعة تضفي على المقاصد الخمسة الكبرى — حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال — قداسة عليا، فلا رابطة تعلو عليها أو تدانيها، وكل الطرق الصوفية إنما هي أشعة من شمس واحدة، لا تكتمل إلا في فلك إمارة المؤمنين، كالأنهار تتدفق نحو البحر الواسع.
إن مشروعية إمارة المؤمنين تشكل الإطار الأعلى الذي يسمو على كل مشروعية للزوايا والطرق، فهي الحافظة للكنز الروحي، والمنافحة عن وحدة الأمة، والمتصدية للتفرقة والانقسام. فإذا بدا نفوذ شيخ طريقة كأنه يتحدى سلطان أمير المؤمنين أو يتجاوز حدوده، فذلك يشبه فرعاً يتمرد على الجذر وينكر أصله، فيجف وينهار بعيداً عن منبع الحياة،
وقد تكررت هذه الدينامية في تاريخ المغرب الروحي، ومن أبرزها وفاة الشيخ الدرقاوي في فترة مضطربة، ما أدى إلى توتر بين أتباعه والسلطان مولاي الحسن الأول، المعروف بشدته تجاه زعماء الطرق الذين بدا نفوذهم مهدداً للسلطة المركزية. كما أمر السلطان أبو عبد الله محمد بمراقبة شيوخ الزوايا وفحصهم، خشية من اتساع نفوذهم وتأثيرهم على علاقات البيعة والدخول إلى القصر الملكي، مما أثار شكوكه في ولائه.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، برز الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني، بعلمه الغزير وجماهيريته الواسعة، وبنى بيوت الذكر والتصوف، لكنه دخل في خلاف مع السلطان، فاعتُقل وتعرض للتعذيب حتى الوفاة، وأُغلقت زواياه، كما حدث مع شخصيات صوفية أخرى في سياقات مشابهة.
لهذا، جاء دستور المملكة المغربية بعد الاستقلال ليؤكد على احتكار أمير المؤمنين للتدبير الديني، باعتباره الحامي الرسمي لملة الإسلام، والساهر على شؤونها، وكل من وراءه من علماء ومشايخ وزوايا، هم معاونون له، لا سلطات موازية، ولا تنظيمات تستمد شرعيتها من خارج إمارة المؤمنين. فالإمارة هي الأصل، وكل ما عداها فرع، والفرع لا يستقيم إلا إذا ظل موصولاً بالجذر، مستنيراً بنوره، مستقيماً على نهجه، كالنجم يدور في فلك الشمس، يستمد منها ضياءه ودفئه.