المسجد في فرنسا: حينما يصبح الخطاب أكبر عائق امام الدين نفسه

7 يناير 2026

عبد الحي السملالي

في السياق الفرنسي المعقّد، حيث يعيش المسلمون تحت ضغط الهوية وإكراهات الاندماج وتوترات الخطاب العام، لم تعد الإمامة وظيفةً شعائرية تُمارَس داخل جدران المسجد فحسب، بل أضحت مسؤولية فكرية واجتماعية تتطلب قدرة على قراءة الواقع، وفهم التحولات، ومرافقة الناس في قلقهم اليومي. وقد بيّنا في مقال سابق أن الإمام الذي لا يقرأ الواقع يفقد جزءًا من شرعيته، لأن هذه الشرعية لم تعد تُستمد من الحفظ وحده، بل من القدرة على ربط النص بالإنسان، والوحي بالسياق، والدين بالحياة. غير أن الاقتصار على نقد الإمام بوصفه فردًا لا يكشف عمق الأزمة، إذ إن المشكلة لا تكمن في الأشخاص وحدهم، بل في البنية الخطابية التي تُنتج الوعظ وتوجّه علاقة المسجد بجمهوره. فالإمام، مهما بلغت كفاءته، يتحرك داخل منظومة خطابية ومؤسسية تحدد سقفه، وتوجّه لغته، وتضبط حدود تأثيره، ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من مساءلة الفرد إلى مساءلة الخطاب نفسه.

يعيش المسلمون في فرنسا تحت ضغوط متشابكة: تمييز في سوق العمل والسكن، هشاشة اجتماعية، قلق هوية، صراع قيم، فقدان للمعنى، وتوترات إعلامية وسياسية متكررة. ويواجه الشباب، على وجه الخصوص، ظاهرة “إعادة الأسلمة” بوصفها مسارًا فرديًا للبحث عن الهوية، لا حركةً جماعية منظمة، ما يخلق حاجة ملحّة إلى خطاب ديني قادر على مرافقة هذا البحث، لا على إدانته أو تجاهله. ومع هذا الواقع المركّب، لا يزال جزء معتبر من خطاب المساجد منفصلًا عن السياق، وكأنه يخاطب جمهورًا يعيش في زمن آخر، فيتحول الوعظ إلى صوت بعيد، أو إلى طقس أسبوعي لا يترك أثرًا يُذكر في الحياة اليومية.

الإمام الذي لا يرى أزمات مجتمعه لا يستطيع إرشاد الناس، ومن لا يدرك أمراضهم النفسية والاجتماعية يعجز عن مداواتها. فقراءة الواقع ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا جوهريًا لبناء خطاب ديني نافع وفاعل. والإمام الحقيقي هو من يحمل قلقًا فكريًا دائمًا، يطارده السؤال، ويقلقه الواقع، ويدفعه ذلك إلى البحث والتأمل والتجديد؛ هو من يجدّد خطابه باستمرار، لا من يعيد تدوير الكلمات ذاتها، ومن يلاحق مشكلات الناس بدل أن يهرب منها. لكن هذا الإمام، مهما بلغ وعيه، سيظل محدود الأثر ما دام الخطاب نفسه أسير المثالية، والتلقين، والانفصال عن الواقع.

وحين يغيب الواقع، يحضر النموذج المثالي: المسلم الكامل الذي لا يضعف ولا يتردد، وهو نموذج يحوّل الوعظ إلى أوامر جاهزة، ونصائح فوقية، وأحكام عامة، وحلول سريعة لا تراعي التعقيد. وفي السياق الفرنسي، حيث الضغوط مضاعفة، يتحول هذا الخطاب إلى عبء إضافي بدل أن يكون سندًا ودعمًا. فالإشكال ليس في النصوص، بل في طريقة تقديمها، إذ لم يعد الجمهور بحاجة إلى مزيد من “افعل ولا تفعل”، بقدر حاجته إلى فهم ذاته وهواجسه، وتحليل واقعه، وبناء أدوات لاتخاذ القرار، والمشاركة في طرح الأسئلة، والتفكير الجماعي في الحلول. وهنا يتحول المسجد من منبر للإملاء إلى فضاء تربوي تشاركي، ومن خطاب عمودي إلى خطاب أفقي يُصاغ مع الناس لا يُفرض عليهم.

وكما يحتاج الإمام إلى قراءة الواقع، يحتاج الخطاب ذاته إلى هذه القراءة. فالخطاب الذي لا يسأل ما الذي يقلق الشباب، وكيف تتعامل الأسر مع ضغط القيم، وكيف تُعاش العلاقة مع الدين في فضاء علماني، وماذا يحتاج الناس فعليًا: وصايا جاهزة أم أدوات للفهم والتصرف، هو خطاب معلّق في الفراغ مهما بلغت بلاغته. ولا يمكن فهم جمود هذا الخطاب دون النظر إلى الأزمات البنيوية التي تعاني منها مؤسسات الإسلام في فرنسا، من التشتت العرقي في التمثيل، وضعف التأهيل المحلي للأئمة، واستمرار الاعتماد على أئمة من الخارج، وضغط الدولة عبر قوانين “قيم الجمهورية”، وهشاشة الاستقلالية المؤسسية، وهي عوامل تؤدي مجتمعة إلى إنتاج خطاب دفاعي، حذر، ومتردد، بدل أن يكون مبادرًا ومجددًا.

وفي مواجهة هذه التحديات، يمكن للمسجد أن يتحول إلى مساحة آمنة للنقاش، ومختبر للتفكير الجماعي، ومدرسة للقيم المشتركة، وفضاء للدعم النفسي والاجتماعي، ومنصة لبناء وعي جماعي إيجابي، غير أن هذا التحول يظل مشروطًا بتحرير الخطاب من أسر المثالية والتلقين والانفصال عن هموم الناس. فالتحول المطلوب ليس تجميلًا شكليًا، بل نقلة منهجية عميقة تقوم على خطاب ينطلق من أسئلة الناس، وطرح السيناريوهات بدل الأوامر الجاهزة، وربط النص بالإنسان لا بالنموذج المثالي، وتدريب الجمهور على التفكير النقدي، وفتح أفق الحوار بدل الانغلاق، وهو وحده الخطاب القادر على مرافقة المسلمين في فرنسا والإسهام الإيجابي في النسيج المجتمعي الأوسع.

ومن خلال هذا الربط بين نقد الإمام ونقد الخطاب، تتكشف ملامح أزمة مركّبة لا يمكن تجاوزها عبر تغيير الأشخاص وحدهم، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين المسجد ومجتمعه. ويبقى السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز عليه: من يصنع هذا المشهد، ومن يحدد طبيعة الخطاب، ومن يختار الأئمة؟ وهنا تبرز الجمعيات الإسلامية بوصفها الفاعل المركزي الذي سيتناوله المقال القادم، باعتبارها الحلقة التي تربط بين الإمام والخطاب والمؤسسة، ولأن إصلاحها شرطٌ لازم لإصلاح المشهد الديني برمته.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...