المرأة المتأسلمة فيسبوكيا.. حين يتحول التدين إلى خطاب تعويضي
عبد الإله زيات
لقد نأت بعض أشكال التدين المعروض على منصات التواصل الاجتماعي عن كونها تعبيرا إيمانيا بالضرورة، وهذا برأيي لاعتبار بسيط كالتالي، غدت هذه الواجهة بنية خطابية مركبة تتقاطع فيها النفسية المجروحة مع السلطة الرمزية للنص الديني، وتستدعى فيها أسماء فقهية محددة وغالبا من المدرسة السلفية المعاصرة كابن باز والفوزان وابن عثيمين لا من حيث هي مراجع علمية تتم قراءتها ضمن شروطها المنهجية، وإنما كأقنعة شرعية تمنح المتكلمة حصانة أخلاقية سريعة، وتعيد ترتيب صورتها الذاتية بعد إخفاق عاطفي أو ارتباك هوياتي أو حتى شعور خفي بالهشاشة.
عزيزتي المتأسلمة عليك أن تفهمي أن الدين، وبالذات هنا ليس منهج فهم فقد نحى هكذا منحى التحليل النفسي، كما لا تستحضر الفتوى كاجتهاد مشروط، لكن كجملة قاطعة تسكت السؤال وتغلق فضاءات الحوار، وهذا النمط من الخطاب يتغذى على انتقائية معرفية واضحة، مثلا اقتطاع النص من سياقه وتجزئة القاعدة الفقهية وإهمال شروط الاستدلال التي قررها علم أصول الفقه منذ الشافعي والجويني والشاطبي، فالقواعد التي قعد لها لضبط الفهم، من مراعاة المقاصد والسياق والعلل وتعارض الأدلة، تختزل إلى عبارات صالحة للعرض السريع، وبالتالي تستهلك أخلاقيا دون ابعاد عملية.
هكذا يتحول قال الشيخ، إلى بديل عن السؤال، ويصير هذا هو الشرع تعويضا عن قلق داخلي مستبعد حله، لا برهانا على فهم راسخ.
إن ما يقدم بهذه الاختزالية والبلاهة الدينية لن يكون أبدا فقها، لمعيار اعتباري بسيط سيدتي، فالأمر ببساطة اشبه باخلاقوية تبحث عن اعتراف، تجد قوتها وتستمدها من سلطة الاسم وفقط…وين صرامة المنهج يا حبي؟ ذهب مع الريح.
الأكثر تعقيدا فيما عابنته كذاك، أن هذا الخطاب بالذات ما خلى من تماس خفي مع النسوية المعاصرة، ويا ليتها كان الأمر منوطا بنظرية نقدية عميقة، جل ما في الحكاية أنها حساسية دفاعية تعاد صياغتها دينيا، كالمطالبة بالحقوق وتركيز على الذات وخطاب كرامة مع إعادة تبرير كل ذلك بلغة “الإسلام أعطاني”!
الإشكال الذي أطرحه غير متعلق بالمطالبة بالحقوق، لأنني أعي الوضعية الكارثية التي تخص المرأة عموما! استشكالاتي هي في الهجنة الخطابية التي تجمع بين تحرر انتقائي ومنهج تقليدي مغلق فتنتج خطابا متناقضا، محافظا في الشعارات، فردانيا في الجوهر، سلطويا في الممارسة، وبهذا المعنى لا يكون الدين مرجعية جامعة بقدر ما هو أداة إعادة تمركز للذات داخل فضاء رقمي تنافسي، حيث تقاس القيمة بالظهور والاصطفاف ووينك يا فقه تحصيلي وفهم رصين؟
أقدم لكم سيداتي منظورا معرفيا أعمق إذ يمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها مثالا على ما سماه تشارلز تايلور بحث الذات الحديثة عن مصادر الاعتراف. فحين تتعرض الذات لصدمة عاطفية أو لفشل في تحقيق صورة متخيلة عن الحياة تلجأ إلى مرجع أعلى يمنحها يقينا سريعا، وبالتالي النص الديني هنا يؤدي وظيفة علاجية مؤقتة لكنه عندما يستعمل بلا وعي منهجي ينقلب إلى أداة إقصاء أخلاقي تصنف بها الآخرين وتدان نواياهم وتختزل بها تعقيدات التجربة الإنسانية.
وفي ربط بين التحليل النفسي والتحليل الخطابي عند فوكو، فهذا الخطاب يبدو هو أقرب إلى تقنية سلطة تنتج الطاعة والتمييز. وهذا النمط يفتقر إلى ما ميّز التراث الإسلامي في ذروته: تواضع العالم أمام النص واعترافه بتعدد الفهم وخوفه من إطلاق الحكم.
الغزالي…ابن رشد…ابن تيمية….الشاطبي على اختلاف مناهجهم اشتركوا في إدراك خطورة الادعاء، وفي التحذير من تحويل الدين إلى يقين نفسي مغلق، وأما الخطاب الرقمي الفيسبوكي المتداول اليوم فيقوم على العكس!!! سرعة…جزم…تصنيف…وتكفير رمزي للآخر باسم المنهج الصحيح من دون امتلاك أدواته.
وعليه فالمشكلة ليست في تدين المرأة ولا في قراءة العلماء لأنه الله يسهل الأمور، ولكن في جرأة هذه أو تلك مع الفيسبوك كأن تبرر ميولا فردانية بسلطة جماعية، ومعالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتشهير ولا بالسخرية، ولهذا يجب إعادة الاعتبار للتكوين المنهجي، تعليم أصول الفهم وتاريخ الاختلاف وأخلاق الخلاف وربط النص بالواقع دون ابتذال وبالذات دون تقديس.
مطلوب استعادة الدين كمعرفة حية لا كخطاب عرضي وكطريق تحول داخلي من غير الحشر كأداة اصطفاف، وما لم يحدث ذلك سيظل كثير مما يقال باسم الإسلام مجرد صدى لقلق غير معالج يتخفى في هيئة يقين.
التعليقات