المدينة التي تسكن أبناءها .. مقاربة في سوسيولوجيا الانتماء إلى وزان

22 فبراير 2026

محمد التهامي القادري

ليست وزان، في وجدان أبنائها، مجرد مدينة عابرة في الجغرافيا المغربية، بل هي معنى يُعاش قبل أن يكون اسما يُتداول. إنها الفضاء الذي تشكلت فيه الهوية في عمقها الأول، حيث يتعلم الإنسان كيف ينتمي قبل أن يتعلم كيف يُغادر، وكيف يتعرف إلى ذاته من خلال انخراطه في جماعة متآلفة تتقاسم القيم والذاكرة والمصير. في وزان تتعانق الجغرافيا بالتاريخ، وتتحول الأزقة المتعرّجة إلى مسارات رمزية تُعلم ساكنيها أن الحياة ليست خطا مستقيما، بل دروبا متداخلة تصنع المعنى بالصبر والتراكم.

إن الفخر بوزان لا يصدر عن انفعال وجداني طارئ، بل ينبع من إدراك راسخ لعمقها الروحي وثرائها الثقافي عبر القرون. فهذه المدينة التي اقترنت باسم الزاوية الوزانية لم تكن فضاء للسكن فقط، بل كانت مختبرا حيا لتَشكّل الوعي الجماعي، حيث كانت التجربة اليومية – في الأسواق، وفي المواسم، وفي حلقات الذكر والعلم – تُعيد تعريف علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين، وتمنحه إحساسا بأن وجوده الفردي لا يكتمل إلا داخل نسيج أوسع من المعاني المشتركة. ومنذ أن وضع مولاي عبد الله الشريف لبنة هذا المسار الروحي، صار الانتماء إلى المدينة مسارا مفتوحا للتكوّن والتجدد، يتعمق مع الزمن، ويتغذى من التجربة، ويتجلى في طريقة العيش، وفي كيفية الإصغاء للآخر، وفي الاستعداد الدائم للالتزام بما يفرضه العيش المشترك من مسؤولية أخلاقية وتضامن فعلي.

قامت وزان على شبكة كثيفة من العلاقات المتداخلة التي جعلت الحياة فيها أقرب إلى عائلة واسعة منها إلى تجمُّع سكاني عابر. كانت الأزقة تضيق لتُقرّب، وكانت الساحات تتسع لتجمع، وكان الماضي العريق يتسرب بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، في العادات، وفي طرائق التحية، وفي الإيماءات الصغيرة التي تحمل أثر الأجيال السابقة. لم تكن العلاقات فيها علاقات تعارف سطحي، بل منظومة تفاعل مستمر، حيث يُفهم الفرد في سياق الجماعة، وتُستمد مكانة الإنسان من قدرته على المشاركة الصادقة في أفراح الناس وأتراحهم، ومن حضوره الفاعل في نسيج التضامن اليومي. الأعياد لم تكن استعراضا للفرح فقط، بل إعادة إنتاج للروابط، والمواسم لم تكن احتفالا عابرا، بل لحظة اعتراف متجدد بوحدة المصير. ضمن هذا النسيج المتماسك، لم يكن الانتماء شعارا يُرفع أو صفة تُنسب، بل حالة اندماج عميقة تتكون تدريجيا في الوجدان، وتتشكل عبر الاحتكاك اليومي بالناس والأمكنة، وتُصاغ من خلال التفاعل الحي، ومن الإحساس الراسخ بأن لكل فرد أثرا محفوظا في سجل المدينة الرمزي، وأن وجوده ليس طارئا على ذاكرتها بل جزءا من سرديتها المتواصلة.

وزان، إذن، ليست مجرد ذاكرة تُستعاد، بل بنية داخلية تسكن أبناءها حيثما ذهبوا. هي معيار خفي يقيسون به المدن الأخرى، وهي الخلفية التي يعودون إليها كلما أرادوا أن يراجعوا ذواتهم ويعيدوا ترتيب أسئلتهم في ضوء البدايات الأولى. في كنفها تتشابك الأزمنة داخل شعورهم، فيغدو الماضي طاقة موجِّهة للحاضر لا ظلا يُقيّده، ويتحول الانتساب إليها إلى التزام واع يُجدَّد باستمرار، لا إلى معطى بيولوجي عابر ارتبط بلحظة الولادة فحسب. هكذا تبقى وزان فيهم: فكرة، ووجدانا، وأصلا راسخا كلما امتدّت الفروع بعيدا، ازداد حضوره عمقا وثباتا في التربة الأولى.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...