المختار في فقه الصلاة عند السادة المالكية
ذ. محمد المهدي اقرابش
عضو أكاديمية نيم الفرنسية وعضو منتدى الإسلام بفرنسا.
أمين المجلس الفرنسي للإرشاد الإسلامي
لقد احتدم النقاش في الأحاديث الخاصة والعامة حول قضية السدل والقبض في الصلاة، إثر رسالة أصدرها المجلس العلمي الجهوي للدار البيضاء؛ فخاض الناس فيها بين مستغرب ومستنكر وموافق، فعزمت ان اكتب مقالا محاولا بسط فقه الصلاة عند المالكية للقارئ الكريم.
لا بد أن أشير أولا إلى أنه لا إنكار في الخلاف النازل أي في الخلاف الحاصل داخل المذهب لأن الفهوم والاجتهادات تختلف رغم إعمال القواعد اللغوية والشرعية نفسها. وهذا شأن العلماء في كل مصر وفي كل عصر، وهي سنة الله الجارية في خلقه، يجب قبولها و إرشاد الناس إلى وجودها مع تبيين المختار في المذهب، لأن الحدود الجغرافية قد تجاوزتها وسائل التواصل الكثيرة والناس في سعة من أمرهم ولا حرج بإذن الله. اما الثوابت الكبرى وهي العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين فلا شك ولا ريب في ضرورة التمسك بها حفاظا على وحدة الأمة المغربية الدينية.
وأشرع بإذن الله في موضوع مقالتي فأقول: إن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء وشرعا هي عبادة ذات إحرام وسلام أو سجود فقط؛ و سجود التلاوة فيه خلاف هل هو صلاة يلزم الوضوء لها أم ليست كذلك. وصلاة الجنازة صلاة ذات إحرام وسلام. ويؤدي المسلم الصلاة بنية خالصة بقلبه دون التلفظ بها؛ وتتحقق النية إذا قصد المسجد أو الصلاة. وتكون النية سابقة لتكبيرة الإحرام أو مصاحبة لها؛ وهي علامة على الدخول في الصلاة. و يجب على القادر القيام عند النية و عند تكبيرة الإحرام وقراءة فاتحة الكتاب؛ أما المأموم فإنه ينوي الاقتداء بالإمام، ولا يقرأ بالفاتحة في الصلاة الجهرية، ويقرأها في الصلاة السرية، كما ذهب إلى ذلك القاضي ابن العربي. وتَعَلُّمُ سورةِ الفاتحة واجبة على المستطيع، وإلا فإنه لا يقول عوضها شيئا، ثم يقرأ سورة أو آيات من القرآن في الركعة السرية أما في الجهرية فإنه ينصت للإمام إذا اقتدى به؛ و يقرأها إذا كان منفردا؛ وهي سنة مع القيام لها( أي ان يكون واقفا). أما المسبوق في صلاة الجماعة فلاشيء عليه إذا أدرك الركوع مع الإمام. ويجهر في موضع الجهر من الصلاة أي في الركعتين الأولى والثانية من صلاة الصبح والمغرب والعشاء؛ ويقرأ سرا في موضع السر من الصلاة أي الركعة الأخيرة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء. وتلجهر والسر هما سنتان كما ورد في كتاب التلقين. ويقرأ القنوت سرا في الركعة الثانية من صلاة الصبح بعد قراءة الفاتحة والسورة أو الفاتحة وبعض آيات كتاب ربنا؛ ولا يخالف المأموم الإمام في القيام إلا إن لم يستطع لعجز او مرض أو كِبَرِ سنٍّ. ويرسل المسلم أو يسدل يديه في الفرض؛ ويقبض في النفل. أما إذا قبض فله محل من النظر لخلاف نازل حاصل في المذهب المالكي و للحديث الوارد في الموطأ “و أن نضع أيماننا على شمائلنا”.
وقد جاء أن القبض جاء في القيام لجمع الحديث بين تعجيل الفطور وتأخير السحور ووضع الأيمان على الشمائل؛ والثلاثة من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ولكن المشهور وما استقر عليه العمل هو السدل و مع هذا فلا حرج على من أخذ بالقبض. ويقول المصلي آمين بعد قراءته لفاتحة الكتاب في السر والجهر؛ ويقولها جهرا بعد فراغ الامام من قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية. والإمام يسر في قوله آمين وهو المشهور. ثم يكبر للركوع والتكبير هنا سنة والركوع فرض ومن ادرك الركوع فقد أدرك الركعة. والمسبوق إذا كبر تكبيرة واحدة عند الشروع في الركوع فالتكبيرة تكبيرة الإحرام إن نواها كذلك. ولكن بشرط أن ان يكون في حالة القيام لا الركوع وإلا فتكبيرة إحرامه لا تصح. والركوع أقله ان ينحني واضعا كفيه على ركبتيه؛ ويكون ظهره مستويا ولا ينكس رأسه أي لا يخفضه في الركوع. ويسبح فيقول سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا ثم يرفع وجوبا من الركوع؛ ويقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد إذا كان منفردا، فيجمع بين سمع الله لمن حمده وهو سنة وربنا ولك الحمد وهو مستحب. أما الإمام فلا يقول ربنا ولك الحمد و يكتفي بسمع الله لمن حمده و الدعاء الوارد فيه. والرفع من الركوع فرض ثم يَسجدُ مكبرا خاشعا وخاضعا لله تعالى ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا ويدعو الله بما شاء؛ ثم يرفع من السجود جالسا ويدعو؛ ثم يسجد وهكذا في الركعة أو الركعات المتواليات. ويقدم اليدين قبل الركبتين عند السجود؛ ويقدم الركبتين قبل اليدين عند القيام من السجود؛ وهكذا إلى أن يَصِلَ إلى الجلسة الأخيرة. والجلسة سُنَّة بالقدر الذي يكفي لقراءة التشهد؛ وصيغته تبتدئ بالتحيات لله و قد جاء في كتاب التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب، في كتاب الصلاة، وفي سنن الصلاة: (وَفِيهَا اخْتِيَارُ التَّحِياتُ لِلّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهُ دُونَ الأَوَّلِ …..)
يقرأ هذا التشهد في التحية الوسطى أو التشهد الأول وهو سنة قال خليل رحمه الله تعالى: (اختار مالك هذا لأنه هو الذي كان عمر يعلمه للناس على المنبر، ولم ينكره عليه من حضره من الصحابة ومعناه مشهور ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وكأنه سكت عنه اكتفاء بما قدمه إذ محلها الجلوس الثاني). ويعقد الأصابع الثلاث من اليد اليمنى في التشهد وهي الوسطى والخنصر والبنصر. ويبسط السبابة ملتصقة بالإبهام و جانب السبابة إلى الأعلى ويحركها. والجلسة التي تكفي للسلام هي فرض يسلم فيها تسليمة واحدة لما جرى به العمل، ولأن الدخول في الصلاة لا يكون إلا بتكبيرة واحدة وهي تكبيرة الإحرام، والخروج لا يكون إذن إلا بتسليمة واحدة؛ وهو قول الإمام مالك في غير المدونة. وذكر ابن يونس أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم واحدة وأبوبكر، وعمر، وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم. ولفظها السلام عليكم وهو المشهور وفي المذهب المالكي. وصيغة التسليمتين موجودة وهو من الخلاف النازل المقبول عند المسلمين. ويجب على المصلي أن تعتدل قامته وتطمئن أعضاؤه فلا يسرق ولا يسرع في صلاته. وهذا هو المختار في الصلاة على المذهب المالكي، ولا يقدح هذا الاختيار في ماذهبت إليه المذاهب الأخرى المعتبرة. لأن الفروع محل خلاف باتفاق.
وسيأتي مزيد بيان حول مسائل و جزئيات أخرى في الصلاة بإذن الله تعالى والحمد لله رب العالمين.
التعليقات