المجتمع وسؤال القيم
الدكتور الحسن الزروالي
مقدمة:
كثيرة هي التعريفات التي أعطيت للإنسان باعتباره: إما حيوانا ناطقا، أو كائنا مدنيا واجتماعيا، أو كائنا ينسى فيغلب عليه الجحود ونكران المعروف حتى سماه الله بالظلوم الجهول لأنه نسي الأمانة التي حملها على عاتقه أول الأمر لقوله تعالى:”إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كلن ظلوما جهولا” سورة الأحزاب 72.
لكن يبقى أهم تعريف من وجهة نظري هو أن الإنسان كائن تواصلي، ومن ثم، فالتواصل أسمى القيم الإنسانية وأهمها على الإطلاق.
أهمية التواصل في الحياة الإنسانية لايخفى، إذ به يتكامل الإنسان مع بني جنسه، لان الوصل ضد كل أشكال القطع والفصل والصرم، وهذا ما اختاره طه عبد الرحمن بقوله: “أن التواصل مقولة كبرى تشمل الوصل الذي هو نقل الخبر، والإيصال الذي هو نقل الخبر مع اعتبار المخبر، والاتصال هو نقل الخبر مع اعتبار المخبر والمخبر إليه”.
وإذا كان التواصل بهذا الاعتبار يقتضي مراعاة حال المخبر والمخبر إليه، فهذا يعني أن العملية التواصلية تقتضي معايير جماعية منبثقة من المواضعات الاجتماعية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تحصيل النفع العام وبلوغ المصلحة الجماعية التي تتعدد مظاهرها بتعدد النشاط البشري ليست سوى القيم باعتبارها أحكاما معيارية تبرز أوجه الرفعة والسمو وتطلعات المجتمع نحو الكمال، أو على الأقل تدشين الشروط اللازمة لذلك.
انطلاقا مما سبق سأحاول مقاربة موضوع القيم من أربع زوايا هامة، سأتحدث أولا عن علاقة الاجتماع البشري بالقيم، مبرزا العلاقة الانطولوجية بين القيم وبنيان المجتمع، ثم سأنتقل ثانيا للحديث عن المشروع المجتمعي ووجوب ارتباطه بمنظومة قيمية تجعل المواطن اكثر استعدادا وتفاعلا وتجاوبا وانخراطا في قضايا وطنه، وبعده سأحاول توضيح القول في علاقة القيم بالهوية الفردية والجماعية، فلا هوية بدون قيم، وحتى وإن كانت الهوية قد تهتز وتتغير فإن تغيرها يكون بطيئا جدا، وفي النهاية سأختم ببيان علاقة القيم بالتغيير والتطور، وكيف أن وضوح القيم في المجتمع والالتزام بها يقوي لحمة المجتمع ويسرع منسوب الانسجام بين مكوناته، وبالتالي تحقيقه للتقدم الذي تنشده كل الأمم.
أولا: الاجتماع البشري والحاجة إلى القيم
الحديث عن ارتباط الاجتماع البشري بالقيم ليس وليد اليوم؛ بل هز قديم قدم الاجتماع البشري؛ فعيش الإنسان داخل جماعة اقتضى وجود ضوابط وتقاليد تنتظم لحدودها أفعالهم وسلوكاتهم المختلفة؛ هذه الضوابط تمثل قواما ومقياسا يمكن من الحكم على أفعالهم بالصواب او الخطأ، وعلى هذا الأساس اشتقت القيم من القوام، أي ما يفيد معاني العدل والاعتدال وحسن الطول، ومنه في اللغة القيمة هي السعر، فكلما ارتفع السعر زادت جودة السلعة ونفعها، وهو ما أكد عليه الفكر البشري منذ الفلسفة اليونانية إذ نجد كلمة “axio” تدل على كل ما هو باهض مرتفع السعر، ومنه “أكسيولوجيا” وهو ذلك العلم الذي يدرس فلسفة الأخلاق التي تعنى بدراسة الفعل الإنساني لا من حيث هو كائن بل من حيث ما يجب أن يكون عليه، وما يجب أن يراعيه من معايير ومحددات، وإلا كان عملا بلا قيمة أو دون القيمة.
كما أن التقويم وارتباطه بمجالات إنسانية متعددة ليس شيئا سوى إبراز أوجه الرفعة والسمو ليتم التنويه بها والإشادة بفاعلها، أو إبراز أوجه النقص والقصور فيها حتى يتم التنبيه عليها بغاية التصحيح والتجاوز، أو، على الأقل التخفيف من جوانب الضعف فيها.
مما سبق يتبين لنا أن القيم هي أحكام معيارية يروم أهل الاختصاص جعلها أفقا وطموحا بغرض إقدار الناس على بلوغه والتطلع إليه، وهذا الأفق هو المثال والنموذج والقدوة التي يرجى التشبه بها والنسج على منوالها.
إطلالة سريعة على الفكر البشري تكشف لنا أن المثال الذي رامت المجتمعات التشبه به كان على الدوام مختلفا من عصر إلى عصر، فقد كان عند أفلاطون هو الله عز وجل الذي اعتبره مثالا في الكمال وجب التشبه به.
وعند بروطاغوراس هو الإنسان باعتباره مقياسا للحكم على الأشياء، وكان عند أرسطو هو العلة الجامعة بين المادة والصورة، وعند باروخ سبينوزا هو تلك المرتبة العليا التي يصلها الكائن البشري عندما يترقى إلى مستوى المعرفة، وأسمى هذه المعرفة هي أن يصير الإنسان كائنا مدنيا.
مع إمانويل كانط ستعرف القيم تحولا جذريا؛ إذ ستفيد معاني الجدارة والأهلية وفقا للقاعدة الكانطية الشهيرة ” إعمل دون توقف إلى أن تصل إلى ما تريد”. وعلى الرغم مما توحي به هذه القولة من حمولة إيجابية تتجلى في دفع الإنسان نحو مضاعفة جهوده لتطويع الطبيعة وإخضاع مقدراتها لمصلحته، والتحكم في كل ما تتيحه من فرص وإمكانيات، إلا أن فتح المجال أمام الجهد البشري دون وضع حواجز وضوابط لا يضمن أن يكون دوما في مصلحة الإنسان بالضرورة، بل قد يحيد عن الجادة فينتج ما به يدمر نفسه بنفسه.
المسارات اللا محدودة التي فتحها كانط أمام الفكر البشري جعلت فريدريك هيغل ينظر إلى القيم على أنها متحولة متغيرة، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تعرف الثبات أو الانضباط لمرجعية قيمية محددة. “فما دام أن كل موجود معقول، وكل معقول قيمة، وكل قيمة متغيرة”، فإن كل معرفة تفقد ثباتها ومعقوليتها مع الزمن، وبالتالي ننتهي إلى الانقلاب على كل معرفة توصل إليها الإنسان، ولذلك فعليه إعادة النظر في كل شيء، وهذا ما سماه هيغل بالوعي الشقي.
هكذا نصل بعد مصاحبة موجزة للفكر الغربي إلى أنه انتهى على الانقلاب على كل ما شيده من علوم ومعارف، خاصة ما يرتبط بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وأضحى العديد من علمائه ومفكريه يدعون صراحة إلى وجوب إعادة النظر في كل ما شيدته الحضارة الغربية من علوم ومعارف أضحت مع الزمن مائعة سائلة لا تعرف الثبات على حال.
ثانيا: القيم والمشروع المجتمعي
من البديهي ارتباط القيم بالمشروع المجتمعي واستنادها إليه، وإلا كان بمقدور أي كان أن يشيد لنفسه قيما فردية خاصة به دون سواه؛ آنئذ سنكون بصدد تشييد مجتمع مفكك، لا شيء يضم بعضه إلى بعض، لذلك كانت القيم بمثابة آليات تهدف بالأساس إلى إكساب المواطن المثل والمبادئ العليا التي توجه سلوكه وتسهل عليه الاندماج والتكامل مع الآخرين.
من هذا المنطلق تحتاج الدولة المعاصرة إلى وضع أطر قانونية ومرجعيات عليا تنظم في نطاقها القيم الضرورية لبناء المجتمع المنشود، ولا أدل على ذلك ما جاء في الوثيقة 2 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي يحدد سلم القيم التي يجب أن ينشأ عليها المواطن المغربي، والتي حددها في أربعة مداخل قيمية هامة:
-قيم العقيدة الإسلامية
-قيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية
-قيم المواطنة
-قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.
ثالثا: القيم وبناء الهوية
لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن الخصوصية المفرطة والانغلاق الحاد والتقوقع والعيش داخل حدود ثقافية معزولة؛ لقد أضحى العالم اليوم شبيه بقرية كونية مفتوحة بفعل عولمة ثقافية رهيبة تجرف في طريقها كل مظاهر الخصوصية والتفرد والتي لطالما نهجتها الشعوب واعتمدتها كحصون تحتمي خلف أسوارها من الانجراف والذوبان الثقافي، على اعتبار أن الثقافة هي ” مجموع الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لاشعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة والوسط الذي ولد فيه”.
وبما أن الإنسان يعيش في عالم مفتوح، ومع ثورة الإعلام والاتصال حيث المعلومات والأفكار والصور والرموز تطاردنا حيث كنا ودونما استئذان، فإنه يفترض أن يتسلح الإنسان بأكبر منسوب ممكن من المنعة والحصانة الثقافية حتى يستفيد من المد العولمي الجارف دون أن يفقد خصوصيته وهويته.
إن الإنسان المشبع ثقافيا يأخذ ما يصلح له من ثقافة الغير ويلفظ ما يضره، متخذا من وعيه هذا أسلوبا لمقاومة كل إصرار خارجي على تعميم أسلوب حضاري معين وإسقاطه على جميع سكان المعمور، حتى يسهل التحكم فيهم بعد أن تم تجريدهم من كل عوامل المنعة والصمود.
رابعا: القيم والنهوض الحضاري:
ثمة مقدمات هامة تقتضيها كل حركة نهضوية يمكنها ان تنقل المجتمعات نحو مدارج الرقي والتقدم؛ فما أحوجنا اليوم إلى مشروع نهضوي حضاري جدير بانتشال المجتمعات من وهدتها، وإسعافها على تجاوز كبوتها وتخلفها مقارنة بشعوب كثيرة من المعمور، رهان كهذا ليس بالسهل كسبه ما تستند الجهود المبذولة إلى مشروع نهضوي يحفظ التوازن الفعلي بين الجوانب المادية والقيم الأخلاقية والجمالية؛ فالحديقة في الشارع العام لن يعرف قيمتها من تربى حاقدا على المجتمع مقتنعا بأن حقوقه مهضومة وان المجتمع ظلمه، ونفس الشيء يقال على ما نراه في مدارسنا ومؤسساتنا التربوية، حيث تتحول الاختلالات الاجتماعية إلى ضغط وتشنجات تجعل الأفراد مثل قنابل موقوتة مستعدة لتصريف حقدها وعدم رضاها في أي لحظة.
مشروع خلق التوازن بين المادة والروح، بين ما هو بنية تحتية وبين ما هو مرتبط بالقيم الأخلاقية والجمالية، رهان صعب المنال، يحتاج حتما إلى مشروع مجتمعي يعيد الثقة إلى المواطن ويجعله معتزا ببلده ومؤسساته، والذي بدوره لا يتأتى إلى بمشروع فكري يؤسس لثقافة جماعية تمسح الغبش عن العيون وتفتح البصائر على منظورات ثقافية غير مسبوقة، وهذا المسلك ليس شيئا سوى بناء الروح الجماعية والمواطنة، وجعلها تستعيد زخمها ووهجها ودافعيتها القيمية نحو بناء إنسان جديد، إنسان متصالحا مع ماضيه، واعيا بحاضره، متبصرا بمستقبله. وذلك بالاستناد إلى مرجعية ثقافية دينية وحضارية بعيدا عن الانسلاخ والاغتراب والذوبان في هوية الغير وحاضره.
خاتمة:
بهكذا شروط يمكننا بناء إنسان فاعل لا منفعل، صاحب إرادة صلبة واستماتة في تحقيق نهضته، غير ضعيف مستهلك دون إنتاج، مستقل لا تابع، متشبع بقيم الخير والعدل والحرية المسؤولة وبعيدا عن كل أشكال الاغتراب؛ سواء كان الاغتراب في التاريخ بالعيش في زمان غير زماننا، أو في الجغرافيا بتلبس هوية غيره والقياس على نموذجه مع هوة الفوارق الموجودة.
التعليقات