القيادة السعودية وصناعة التوازن الجيوسياسي في “الكتلة الحرجة”
علي البلوي
إن تحليل الصراع الدائر بين واشنطن وتل أبيب وطهران يتطلب التخلي التام عن العدسات العاطفية التي تحصر المشهد في مواجهة عقائدية، والنظر إليه كعملية إدارة مخاطر معقدة تسعى فيها كل قوة لتعظيم مكاسبها الجيوسياسية.
وهي الرؤية التي يؤصل لها منظرو “الواقعية السياسية” أمثال جون ميرشايمر وستيفن والت، حيث يرون أن هذا المثلث لا يعمل في فراغ، بل في قلب جغرافيا عربية تقودها اليوم عقلية سعودية جديدة ترفض دور الساحة وتتحول إلى دور اللاعب القائد الذي يعيد رسم الخرائط.
ويؤكد المحللون العسكريون أن السياسة الإيرانية التي اعتمدت مبدأ “الدفاع في العمق” عبر الوكلاء، باتت تصطدم باستراتيجية “الاستقلال الاستراتيجي” التي تنتهجها المملكة العربية السعودية، وهي الاستراتيجية التي يحللها الخبير برنارد هيكل بوصفها تحولاً جذرياً نحو “الواقعية النشطة” التي تضع مصالح رؤية 2030 فوق أي اعتبار انفعالي، مما يفرض ضرورة حيوية لتوسيع هذا الدور القيادي أبعد من النطاق التقليدي لمجلس التعاون الخليجي.
إن تعظيم الدور السعودي يتطلب اليوم، كما يرى خبراء الجيوبولتكس ومنهم روبرت كابلان، بناء “كتلة حرجة” شاملة تدمج اليمن وسوريا والأردن في جسد واحد مع المنظومة الخليجية، لتحويل هذه الدول من ثغرات أمنية يستغلها المنافسون إلى دروع استراتيجية وعمق بشري وجغرافي متكامل يقطع الطريق أمام مشاريع التمدد الإقليمي ويحجم الطموحات الإسرائيلية في الهيمنة المنفردة.
وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لاستغلال الصراعات لفرض واقع أمني جديد، تبرز السعودية كمرساة للاستقرار من خلال تحالفات متعددة الأقطاب تمنع سيناريو “الصفقة الكبرى” التي قد تتم بين واشنطن وطهران على حساب السيادة العربية، حيث يمثل انضواء اليمن لضبط مضيق باب المندب، وسوريا والأردن كجسر نحو المتوسط، إعادة بناء لـ “الهلال المستقر” القادر على فرض شروطه في النظام العالمي الجديد.
ويجمع خبراء مراكز الدراسات الاستراتيجية على أن هذا الدور السعودي الخليجي الموسع هو الرد العملي الوحيد على فراغ القوة، فمن خلال امتلاك مفاتيح الطاقة واللوجستيات والكتلة البشرية، يملك العرب اليوم فرصة تاريخية للانتقال من موقع “رد الفعل” إلى موقع “صناعة القرار الدولي”، مؤكدين أن من يجلس على طاولة المفاوضات ككيان واحد متماسك يمتلك القدرة على حماية مصالحه بعيداً عن صخب الشعارات وعجز العواطف التي دفع ثمنها العقل العربي طويلاً.
التعليقات