القرآن والبحث والباحث والمبحوث

9 يونيو 2026

اختلالات بنية التلقي المعرفي في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي-المسلم

الدكتور رفيق الناوي

المقالة الأولى:

لماذا هذا البحث؟ في معنى الأزمة وموقع السؤال

مدخل: حين يصبح السؤال ضرورة لا ترفاً

ثمة لحظات في تاريخ الفكر لا يكون فيها السؤال الفلسفي تأملاً هادئاً في الممكنات، بل اشتباكاً مع واقع يَحرق. ونحن اليوم، في قلب ما يعيشه العالم العربي والإسلامي من تفكك وتراجع وتشظٍّ، لسنا في وضع من يملك ترف الأسئلة المؤجَّلة؛ بل نحن في وضع من يدفع ثمن التأجيل جيلاً بعد جيل.

لذلك لا يُقدَّم هذا البحث بوصفه إسهاماً في نقاش أكاديمي مفتوح، وإن كان يُقرأ في فضاء أكاديمي، ولا بوصفه دعوة وعظية إلى العودة إلى الأصول، وإن كان ينطلق من يقين راسخ بأن ثمة أصلاً مُزاحاً. إنه أقرب إلى ما يمكن تسميته احتجاجاً معرفيا؛ احتجاج يرفض الاستسلام لأطروحة الحتمية الحداثية التي تجعل من التبعية المعرفية شرطاً للتقدم، ويرفض في الوقت ذاته الاكتفاء بخطاب المرثية الحضارية الذي يُحكم العجز بقدر ما يُشخّص الجرح.

أولاً: الأزمة الحضارية الممتدة؛ ما وراء الأعراض

منذ ما لا يقل عن ستة قرون، يعيش العالم العربي والإسلامي على إيقاع تراجع متواصل؛ تراجع في الفعل العلمي والمدني، وتراجع في القدرة على إنتاج المعرفة وتوجيهها، وتراجع في الطاقة على الاستئناف الحضاري الذاتي. ولا يعدم المراقب مؤشرات هذا التراجع: ففي الإنتاج العلمي، تكشف بيانات اليونسكو أن مجموع إنفاق الدول العربية مجتمعةً على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ2% إلى 4% في الدول المتقدمة (UNESCO, 2021). وفي التعليم، تُظهر نتائج اختبارات التحصيل الدولية (PISA, TIMSS) تراجعاً مزمناً في قدرات التفكير النقدي والاستدلالي لدى الطلاب العرب. أما في مؤشرات الرفاه الاجتماعي وجودة الحياة، فيكفي الإشارة إلى أن تقارير التنمية الإنسانية العربية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد رصدت منذ بداياتها عام 2002 ثلاثة عجوزات بنيوية: عجز المعرفة، وعجز الحرية، وعجز تمكين المرأة (UNDP, 2002).

غير أن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه كثير ممن تصدّوا لتشخيص هذه الأزمة هو اختزالها في أعراضها الظاهرة؛ فجعلوا من التخلف التقني علة، ومن الضعف المؤسسي سبباً، ومن الاستبداد السياسي تفسيراً كاملاً. وكل هذه المظاهر حقيقية، لكنها ليست الجذر. الجذر يكمن في مستوى أعمق: في بنية الرؤية التي تُنتج المعرفة، وفي طبيعة السؤال الذي يُطرح أو لا يُطرح، وفي موقع المرجعية التي تُوجّه العقل وتحدد وجهته. وبعبارة أخرى: الأزمة في أصلها أزمة معرفية وجذرية قبل أن تكون أزمة تقنية وإجرائية.

هذا التمييز ليس تزيينا نظرياً؛ إذ إن الأمة التي تستعير أدوات الحداثة دون أن تمتلك رؤية مستقلة للإنسان والمعرفة والغاية، إنما تبني على أرضية غيرها، وتُعمّر بيتاً بمفتاح لا تملكه. وهذا بالضبط ما وصفه إدوارد سعيد بأثر أعمق مما قصد حين تحدث عن الاستعمار الثقافي بوصفه اختراقاً للوعي قبل أن يكون احتلالاً للأرض (Said, 1978). بيد أن سعيد نفسه ظل رهين الأفق الغربي في تشخيصه وأدواته، ومن هنا تبدأ الحاجة إلى ما يتجاوزه.

ثانياً: تراجع الفعل العلمي والمدني والعمراني؛ البنية لا العرض

ما يميّز الأزمة التي نتحدث عنها عن مجرد تخلف تاريخي عابر هو طابعها البنيوي: أنها ليست حادثة طارئة يمكن تجاوزها بإصلاحات إجرائية، بل هي اختلال في أسس التفكير ذاتها، وفي طريقة صناعة السؤال، وفي آليات إنتاج المعنى.

لنأخذ مثالاً واحداً لكنه كاشف: الجامعات العربية. إن الجامعة، بمعناها الأعمق، ليست مؤسسة لنقل المعرفة فحسب، بل هي المكان الذي تُصنع فيه رؤية الأمة إلى ذاتها وإلى العالم. غير أن الجامعة العربية في أغلب أحوالها تعمل بمناهج مستوردة، وأسئلة مستعارة، ومعايير اعتراف خارجية؛ فالبحث الذي لا يُنشر في مجلة دولية محكّمة لا يُعدّ بحثاً، والمفهوم الذي لا سنده في المرجعيات الغربية لا يُقبل مفهوماً، والنظرية التي تنبثق من سياق محلي تُعامَل بريبة ما لم تُرسَّخ بختم القبول الغربي. هذه ليست مبالغة في النقد، بل وصف لواقع يُقرّ به كثير من أساتذة الجامعات أنفسهم حين يُفكّرون بصوت عالٍ (Connell, 2007; Alatas, 2006).

والنتيجة المباشرة لهذا الواقع هي ما يمكن تسميته الاستلاب المنهجي: حين يُقبل الباحث المسلم ضمنياً بأن شروط الاعتراف العلمي تأتي من خارجه، وأن معيار الصواب يُحدده من لا يشاطره رؤيته للإنسان والوجود والغاية. وهكذا تُنتج الجامعة العربية معرفة كثيرة، لكنها لا تُنتج حكمة تُعالج أسئلتها الحقيقية.

ثالثاً: انفصال الأمة عن مصادرها المؤسِّسة؛ الإزاحة الناعمة

ها هنا نصل إلى قلب الإشكال. ذلك أن الأمة الإسلامية لا تعاني من أزمة في الموارد البشرية وحدها، ولا من أزمة في التمويل البحثي وحده، ولا من أزمة في النظام السياسي وحده، وإن كانت هذه كلها وجوهاً حقيقية للأزمة. ما تعانيه في جذوره هو الانفصال عن مصادرها المؤسِّسة؛ تلك المصادر التي كانت تمنحها، في لحظات نهوضها، وحدة النظر ووضوح الغاية ومعنى الفعل.

والمصدر المؤسِّس بامتياز هو القرآن الكريم. لا بمعناه الشعائري الضيق الذي يُختزل فيه أحياناً، بل بمعناه الهادي الشامل: بوصفه نظاماً رؤيوياً يُحدد معنى الإنسان قبل أن يُقاس، ومعنى العلم قبل أن يُوظَّف، ومعنى العمران قبل أن يُنظَّم، ومعنى الحرية قبل أن تُختزل في إرادة منفصلة عن التكليف والمسؤولية.

غير أن المفارقة الصارخة التي يكشفها التأمل في واقع الباحث المسلم المعاصر هي أن القرآن حاضر في حياته، لكنه غائب عن بنية تفكيره المعرفي؛ حاضر في التلاوة، غائب عن المنهج؛ حاضر في الاحتجاج الجزئي، غائب عن بناء الرؤية الكلية؛ حاضر في الذاكرة الانتمائية، غائب عن صناعة السؤال وعن ضبط وتوجيه ذاكرته الإئتمانية. وهذا بالضبط ما يُعنى هنا بـالإزاحة: ليست إلغاء القرآن من الحياة، بل إقصاؤه من موقع التأسيس إلى موقع الاستشهاد اللاحق.

رابعاً: سؤال البحث المركزي؛ في كيف أُزيح القرآن؟

من هذا كله ينبثق السؤال المركزي الذي تُجيب عنه هذه السلسلة: كيف انتقل القرآن، في وعي قطاعات واسعة من المثقفين والباحثين المسلمين، من كونه أصلاً مولِّداً للمعرفة والرؤية والمنهج، إلى كونه نصاً مستأنَساً به أو شاهداً لاحقاً على تصورات تشكّلت خارجه؟

هذا السؤال ذو طبقات متعددة:

طبقة تاريخية: تتعلق بكيفية تراكم هذه الإزاحة عبر الزمن، وما الذي أسهم فيها من عوامل داخلية؛ كتصلب المنهج الفقهي وانكماش الاجتهاد، وعوامل خارجية؛ كالاستعمار وما أعقبه من إعادة هيكلة للمؤسسات التعليمية والمعرفية.

طبقة ابستيمولوجية: تتعلق بكيفية اشتغال هذه الإزاحة في البنية العميقة للفكر؛ كيف تُنتج مفاهيم ملتبسة، وأسئلة مشوّهة، ومناهج تحمل خلفيات غير مفحوصة؟

طبقة وجودية: تتعلق بما تُنتجه هذه الإزاحة من فصام في ذات الباحث المسلم نفسه؛ ذلك الانقسام بين انتماء وجداني للقرآن وممارسة بحثية تسير وفق نماذج تشكّلت خارج أفقه.

والجواب عن هذا السؤال لن يكون جواباً تاريخياً وصفياً فحسب، بل سيكون في جوهره جواباً بنائياً؛ يشخّص الإزاحة ليقترح رفعها، ويُحلّل الفصل ليفتح أفق الوصل.

خامساً: الغاية من السلسلة؛ ما نريد وما لا نريد

من اللازم، قبل المضي، أن نُحدد بدقة ما تريده هذه السلسلة وما لا تريده، حتى لا يُساء فهم مقصدها وتُوضع في خانة ما لا تنتمي إليه.

لا تريد هذه السلسلة:

§ أن تُقدّم القرآن بوصفه مرجعاً نهائياً يُغني عن البحث والاجتهاد والتجربة. فالقرآن، كما يُفهم هنا، لا يعفينا من البحث بل يُلزمنا به؛ لا يلغي السؤال بل يُطهّره من العبث.

§ أن تُقدّم أسلمة المعرفة بوصفها برنامجاً كافياً. فالمعرفة ليست مولوداً محايداً يحتاج إلى اسم إسلامي؛ المعرفة فعل نظر يتأسس داخل أفق أنطولوجي ومعرفي وقيمي مخصوص، ومن هذا الأفق تتحدد مقاصده وتترتب مآلاته.

§ أن تُحوّل القرآن إلى أداة خطابية لإسكات الاختلاف أو شرعنة الموقف المسبق. فما يُطلب ليس استحضار القرآن شاهداً على ما انتُهي إليه مسبقاً، بل اختبار أفهامنا أمام القرآن واستعداد الفهم البشري للمراجعة والتقويم.

§ أن تُقدم خطاباً وعظياً يُحرّك المشاعر دون أن يُبني العقل. فلغة هذه السلسلة أكاديمية في صرامتها، فلسفية في نَفَسها، لكنها لا تُخفي منطلقاتها الأخلاقية ولا تتوارى خلف حياد زائف.

وعلى الضفة الأخرى تعلن بجرأة عما تريد؛ تريد هذه السلسلة:

§ أن تُسهم في تقديم تشخيص أولي لبنية الأزمة المعرفية في عالقتها بالإزاحة القرآنية، تشخيصاً يُعالج الجذر لا الأعراض.

§ أن تُعيد صياغة السؤال الأصيل: من أين ننظر؟ وبأي تصور للإنسان نبحث؟ وبأي معنى للوجود نؤسس العلم؟ فهذا السؤال هو ما يُحدد طبيعة المعرفة وغايتها قبل أن تتشكّل.

§ أن تُقدّم نموذجاً مفاهيمياً للعلاقة بين القرآن والعقل الباحث يتجاوز الثنائية الكسيحة بين التقليد الجامد والتبعية المستسلمة: نموذجاً يجعل الوحي هادياً لا بديلاً عن العقل، والعقل متدبّراً لا مستقلاً عن الهداية، والواقع مجالاً لاختبار الفهم لا حاكماً على الوحي.

§ أن تفتح حواراً جاداً مع المنجز الإنساني في الفلسفة وعلم الاجتماع والفكر النقدي، حواراً يستفيد دون أن يستسلم، ويشتبك دون أن ينبهر.

سادساً: الموقع الابستيمولوجي؛ اعتراف مطلوب

لا يُخفى على القارئ المتأمل أن هذا البحث لا يدّعي الحياد المطلق. وهذا الاعتراف ليس مثلبة بل فضيلة معرفية؛ إذ إن الادعاء بالحياد في مسائل ترتبط بصورة الإنسان وغاية المعرفة ومعنى الوجود هو نفسه خيار أيديولوجي مضمر، كما أثبت فيلسوف العلوم Thomas Kuhn حين بيّن أن كل ممارسة بحثية تنطلق من نموذج (paradigm) يحمل افتراضات لا تُثبَت داخل النموذج (Kuhn, 1962)، وكما أكد ما بعد الكولونياليون — من أمثال Connell (2007) في نقده لـ”علم الاجتماع الجنوبي”؛ أن حتى المعرفة العلمية الغربية تحمل بُنى تفضيلية غير معترَف بها.

ما ينطلق منه هذا البحث هو يقين مرجعي -لا يقين نسقي مغلق- مفاده أن القرآن أصل هادٍ لمعنى الإنسان والمعرفة والوجود والاجتماع، وأن الفهم البشري لهذا الأصل قابل دائماً للمراجعة والاختبار والتطوير. هذا ليس توظيفاً للقرآن في خدمة موقف محدد، بل دعوة إلى جعل الموقف نفسه قابلاً للمساءلة أمام القرآن.

خاتمة: السؤال الذي لا يمكن تأجيله

ختاماً، لا بد من الإقرار بأن هذه السلسلة تنطلق من قناعة راسخة: أن الأمة التي تقرأ خارج أفقها المؤسِّس، وتتعلم خارج غايتها، وتبحث خارج مرجعيتها، قد تُنتج معرفة كثيرة لكنها لن تُنتج حكمة تُعالج أسئلتها الحقيقية؛ وقد تمتلك أدوات عديدة لكنها ستظل عاجزة عن استئناف ذاتها.

والسؤال الذي لا يمكن تأجيله ليس: كيف نُحدّث مناهجنا؟ ولا: كيف نستعيد أمجادنا؟ بل هو في جوهره كيف نُعيد القراءة إلى معناها الأول؛ قراءةً باسم الرب الذي خلق؟

هذا هو السؤال الذي ستُجيب عنه هذه السلسلة مقالةً مقالة، بناءً على بناء، حتى يكتمل المشروع أو يظهر منه ما يدفع نحو سؤال أعمق. فالمعرفة الحقة لا تُغلق الأسئلة، بل تفتح أسئلة أجدر بالاشتغال.

تُعالج المقالة الثانية عاملاً حاسماً في فهم الأزمة: الاستعمار — لا بوصفه عذراً كلياً يُعفي الذات من المسؤولية، بل بوصفه طبقة من طبقات التشخيص تتشابك مع القابلية الداخلية للاقتلاع.

المصادر:

Alatas, S. H. (2006). Alternative Discourses in Asian Social Science. Sage Publications.

Connell, R. (2007). Southern Theory: The Global Dynamics of Knowledge in Social Science. Polity Press.

Kuhn, T. S. (1962). The Structure of Scientific Revolutions. University of Chicago Press.

Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.

UNESCO. (2021). UNESCO Science Report: The Race Against Time for Smarter Development. UNESCO Publishing.

UNDP. (2002). Arab Human Development Report 2002: Creating Opportunities for Future Generations. United Nations Development Programme.

World Bank. (2024). World Development Indicators. The World Bank Group.

 

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...