القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي المسلم
القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي والثقافي العربي-المسلم
اختلالات بنية التلقي المعرفي وآفاق استئنافها
الدكتور رفيق الناوي
المقالة الثانية
في دفع الذرائعية؛ بين الاحتلال والقابلية للاحتلال
مدخل: حين يتحول الجرح إلى حجة
من أكثر المنزلقات خطورةً في تفكير الأمم المهزومة أن تجعل من جرحها تفسيراً كاملاً لحالها، فيتحول التاريخ المؤلم من درس يُستخلص إلى عذر يُستراح إليه. والعالم العربي والإسلامي لم يَنجُ من هذا المنزلق؛ بل إن الخطاب الثقافي والسياسي المهيمن فيه منذ ما يزيد على قرنين يدور في معظمه في فلك ثنائية كسيحة: إما تبرير الحاضر بالاستعمار الغابر، وإما جلد الذات بتهمة التقصير الحضاري الداخلي. وكلا المسلكين يُخطئ الحقيقة، لأن كليهما يُبسّط ما هو مركّب، ويختزل ما هو متشابك.
هذه المقالة لا تُنكر الاستعمار ولا تُهوّن من أثره – فأثره كان تدميرياً وعميقاً وممتداً – لكنها تُجادل بأن الاستعمار لا يمكن أن يكون علة نهائية لأزمة تمتد جذورها إلى ما قبله، وتستمر فاعليتها بعد رحيل جنوده. الأزمة، كما سيظهر، هي تفاعل مركّب بين عوامل خارجية عنيفة وعوامل داخلية أعدّت التربة لقبولها. وفهم هذا التفاعل شرط لأي مشروع نهوض حقيقي، لأن من لا يُشخّص علّته بدقة يُحكم عجزه وإن أكثر من الشكوى.
أولاً: الاستعمار ؛ أثره الحقيقي وما هو أبعد منه
لا يختلف اثنان في أن الاستعمار الغربي للعالم العربي والإسلامي – الذي بلغ ذروته في القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين – كان مشروعاً جامعاً للهيمنة بأوجهها المتعددة: العسكرية والاقتصادية والإدارية والثقافية والمعرفية. وهو لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض والثروة، بل مضى إلى ما هو أعمق وأشد فتكاً: إعادة هيكلة الوعي.
ففي المجال التعليمي، أُحلّت المناهج الاستعمارية محل المؤسسات التقليدية أو هُمّشت، فأُعيد تشكيل الجيل الصاعد وفق نموذج معرفي يجعله غريباً عن مرجعيته ومحتاجاً إلى المركز الغربي لاستكمال هويته الفكرية. وقد رصد Frantz Fanon هذه الآلية بدقة حين وصف كيف يُنتج الاستعمار إنساناً منقسماً: يسكن جسده في ثقافته الأصلية بينما يسكن عقله في ثقافة المستعمِر (Fanon, 1961). وفي المجال المؤسسي، دُمّرت أو أُضعفت البنى التي كانت تُنتج العلماء والمفكرين والصنّاع ضمن منظومة معرفية ذات مرجعية مستقلة، وأُحلّت محلها مؤسسات تعليمية وإدارية تعمل بمنطق التبعية لا الاستقلال. وفي المجال اللغوي، فُرضت لغات المستعمِر أو رُفعت إلى مقام الرقي والحداثة، بينما أُسقطت اللغات الأصلية إلى مقام التخلف والقصور، مما أحدث شرخاً بين الأجيال وقطع الوصل بين الباحثين ومصادر إنتاجهم الحضاري التاريخي.
هذا كله حقيقي وموثّق، وإنكاره ضرب من التعمية على التاريخ. غير أن الإشكال يبدأ حين يُرفع هذا الأثر إلى مرتبة التفسير الكامل والكافي: حين يُقال، صراحةً أو ضمناً، إن كل ما نحن فيه من تخلف وعجز وتشظٍّ راجع إلى الاستعمار، وأن رحيل الاستعمار – حتى حين يرحل – يكفي لاستعادة العافية. هذه الأطروحة، على وجاهتها الانفعالية، تُخطئ في التشخيص وتُفضي في الممارسة إلى شلل إرادي مضاعف.
ثانياً: الاستعمار المعرفي والرمزي؛ الوجه الأشد تغلغلاً
إن الأثر المباشر للاستعمار العسكري والسياسي، على فداحته، أقل تعقيداً من أثره المعرفي والرمزي الممتد. فالجندي يرحل، والإدارة الاستعمارية تنتهي، لكن المنظومة المعرفية التي زرعها الاستعمار في بنية التعليم والبحث والمؤسسة تبقى تعمل بعد رحيله، بل قد تزداد رسوخاً حين تتولى النخب المحلية المستقلة حديثاً الإشراف عليها باسم التقدم والحداثة.
وهذا ما يُسمّيه بعض الباحثين الاستعمار اللاحق (neo-colonialism)، وإن كان هذا المصطلح يحمل أحياناً توصيفاً سياسياً أكثر منه معرفياً. والأدق هنا الحديث عمّا أسماه Walter Mignolo بـالاستعمارية المعرفية (coloniality of knowledge)؛ أي استمرار منطق الاستعمار في تحديد ما يُعدّ معرفةً وما لا يُعدّ، وما يُقبل علماً وما يُرفض خرافةً أو تقليداً (Mignolo, 2000). وفي هذا الإطار يغدو المثقف العربي أو المسلم الذي يشتغل بالعلوم الإنسانية والاجتماعية في موقف دقيق: فهو يُنتج معرفة باللغة التي يُعترف بها أكاديمياً، ووفق المناهج التي تمنح الشهادات، وبالمفاهيم التي يقبلها المحكّمون – وكل ذلك ينتمي إلى منظومة تشكّلت في سياق حضاري لا يشاطره رؤيته للإنسان والوجود والغاية.
وأخطر ما في هذا الوضع أنه يعمل في الغالب دون وعي: لا أحد يُلزم الباحث المسلم بأن يُغفل مرجعيته، بل إن كثيراً منهم يُصرّح بانتمائه القرآني في حياته الشخصية ثم يُعلّق هذا الانتماء حين يدخل المختبر أو يجلس إلى مكتب الكتابة. وهذا التعليق الطوعي اللاواعي هو ربما أشد خطورةً من الإكراه المباشر، لأنه يُنتج إزاحةً داخلية تبدو طبيعية وحضارية في آنٍ معاً.
ثالثاً: القابلية الداخلية للاحتلال – السؤال الذي يؤلم
ها هنا نصل إلى المسألة التي تستدعي أعلى درجات الشجاعة الفكرية، لأنها تنقل المساءلة من الخارج إلى الداخل دون أن تُبرئ الخارج.
السؤال هو: لماذا قبل العالم العربي والإسلامي هذا الاقتلاع بهذه الدرجة من العمق والشمول؟
لو كانت الأمة في حالة من الحيوية المعرفية والصحة المؤسسية الكاملة، لكانت قدرتها على المقاومة والاستيعاب والتكيف مختلفة. لكن الواقع التاريخي يكشف أن الاستعمار لم يقتحم فراغاً، بل وجد تربةً أعدّت – ولو جزئياً – لقبوله. وهذه التربة تتضمن على الأقل ثلاثة عوامل داخلية متشابكة:
العامل الأول: انكماش الاجتهاد وتصلّب المنهج الفقهي
منذ ما يُسمى بـ”إغلاق باب الاجتهاد”- وهو وصف يحتاج نفسه إلى تدقيق تاريخي- سادت في كثير من مؤسسات العلم الديني ثقافة التقليد على حساب الاجتهاد، والشرح على حساب التأسيس، والحفظ على حساب الاستنباط. وهذا لا يعني أن الحضارة الإسلامية توقفت عن الإنتاج، بل يعني أن ثقلها الفكري انتقل تدريجياً من التأسيس إلى التحصين، ومن السؤال إلى الإجابة الجاهزة. وحين جاء الاستعمار بسؤاله الحداثي الضخم، لم تجد المنظومة العلمية الداخلية أدوات كافية للاشتباك النقدي معه (Hallaq, 2013).
العامل الثاني: الانفصال التدريجي بين المعرفة والحياة
ثمة ظاهرة تاريخية موثّقة تتمثل في الانفصال المتنامي بين النخب العلمية والإنتاج الحضاري الفعلي؛ بين العلم كممارسة فكرية والعمران كفعل تاريخي. وهذا الانفصال أضعف قدرة المنظومة المعرفية على الاستجابة للتحديات الجديدة، لأن المعرفة المنفصلة عن الحياة تتحول تدريجياً إلى طقس بدلاً من أن تظل أداة للتغيير والاستجابة.
العامل الثالث: ضعف المناعة الرمزية
حين تتصدّع العلاقة الحيّة بين الأمة ومصادرها المؤسِّسة – وهو ما بدأ قبل الاستعمار وعمّقه الاستعمار – تضعف المناعة الرمزية التي تحمي الهوية المعرفية. فالمناعة الرمزية ليست عزلة ولا انغلاقاً، بل هي القدرة على التمييز بين ما يُضاف ويُثري وما يُزيح ويُقتلع. وحين تضعف هذه القدرة، يُصبح الإنسان – أو الأمة – قابلاً للاستيعاب في منظومة أخرى دون أن يُدرك حجم ما يفقده.
لقد نبّه محمد أركون إلى شيء من هذا حين أشار إلى أن المشروع الحداثي الغربي لم يجد عقلاً إسلامياً في حالة استعداد نقدي كامل لمواجهته، وأن أزمة “العقل الإسلامي” – كما سمّاها – تحمل جذوراً داخلية سابقة للاستعمار (Arkoun, 2002). والإقرار بهذا لا يعني إبراء الاستعمار من مسؤوليته التاريخية، بل يعني فهم الصورة كاملة.
رابعاً: نقد الذات دون جلدها – معادلة صعبة لكنها ضرورية
ثمة خطران متقابلان يُهددان كل محاولة للتشخيص الصادق:
الخطر الأول: تحويل الاستعمار إلى عذر كلي. وهذا يُنتج خطاباً يُريح انفعالياً لكنه يشلّ إرادياً، لأنه يُرسّخ موقف الضحية ويجعل التعافي رهيناً بموقف الآخر لا بإرادة الذات. وفي هذا الخطاب يصبح الاستعمار مُفسِّراً لكل شيء فلا يُفسّر شيئاً.
الخطر الثاني: جلد الذات بتهمة القصور الجوهري. وهذا يُنتج خطاباً آخر يستبطن في العمق – وإن لم يُصرّح – افتراض أن الذات الحضارية للأمة الإسلامية عاجزة بطبيعتها عن اللحاق بالحضارة الحديثة ما لم تتخلص من مرجعيتها. وهذا الخطاب هو في حقيقته استبطان لمنطق الاستعمار نفسه بلغة التنوير.
المسلك الصحيح يقع بين الخطرين، لكنه ليس مسلك “التوازن” الانتهازي الذي يُساوي بين النقيضين. إنه مسلك النقد المزدوج: نقد المركزية الغربية بما أنتجته من استعمار وهيمنة معرفية، ونقد الذات العربية والإسلامية بما راكمته من عطالة وانكماش وتعطيل لفاعلية القرآن. والنقد المزدوج ليس ترفاً فكرياً، بل شرط الرؤية الصافية التي تجعل العلاج ممكناً.
وهذا المسلك يستدعي نفساً فلسفياً يتحمّل الغموض وتعقيد الأسباب، ويرفض الحلول الجاهزة التي تُريح دون أن تُعالج. كما يستدعي أمانة تاريخية تقرأ الماضي دون أن تُجمّله أو تُشوّهه، وتُقرّ بالإخفاق الداخلي دون أن تجعل منه دليلاً على عجز جوهري لا علاج منه.
خامساً: الأزمة بوصفها تفاعلاً – نحو فهم مركّب
خلاصة ما يُقدَّم في هذه المقالة هو أن الأزمة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي – وتحديداً أزمته المعرفية – لا تنحسر في علة واحدة، بل هي حصيلة تفاعل بين طبقات متراكبة:
طبقة العطب الداخلي السابق للاستعمار: تصلّب المنهج، انكماش الاجتهاد، ضعف المناعة الرمزية، الانفصال بين المعرفة والحياة.
وطبقة العنف الخارجي الاستعماري: الاقتلاع المؤسسي، إعادة هيكلة التعليم، تشكيل الوعي وفق نموذج المستعمِر، وإضفاء الشرعية على التبعية المعرفية.
وطبقة الاستمرار ما بعد الاستعماري: حين تُديم النخب المحلية منطق التبعية بحسن نية أحياناً، وباسم الحداثة والتقدم، فتُكرّس الإزاحة المعرفية بدلاً من معالجتها.
وهذه الطبقات الثلاث لا تُقرأ بالتسلسل الزمني وحده، بل تتداخل وتتراكب وتُنتج بعضها البعض في حلقة لا يمكن كسرها إلا بوعي يُدرك طبيعة كل طبقة ومكانها في بنية الأزمة.
سادساً: الاستعمار المعرفي اليوم – الأشكال الناعمة
من الضروري أن يُلاحَظ أن الاستعمار المعرفي في صوره المعاصرة أشد نعومةً وأعمق تغلغلاً مما كان عليه في صوره الخشنة التاريخية. فلم يعد الأمر يتعلق بجندي يفرض مناهج التعليم بقوة السلاح، بل بـ:
معايير الاعتراف الأكاديمي العالمية التي تُحدد ما يُعدّ علماً وما لا يُعدّ، وتُوزّع الشهادات الدولية وفق اشتراطات تحمل خلفيات معرفية غير معلنة.
آليات التمويل البحثي الدولي التي تُحدد الأسئلة ذات الأولوية، وتُوجّه طاقة الباحثين نحو موضوعات تهم المموِّل أكثر مما تُعالج إشكاليات المجتمعات المحلية.
شبكات النشر العلمي الدولية التي لا تُبالي كثيراً بأسئلة لم تنشأ في سياقها، وتفرض معايير شكلية ومضمونية تجعل الباحث المسلم في حاجة دائمة إلى “ترجمة” إشكاليته إلى لغة مقبولة في تلك الشبكات، وكثيراً ما تُفقد هذه الترجمة الإشكاليةَ أصالتها.
منظومة الدرجات العلمية والترقيات الأكاديمية التي تجعل مسيرة الباحث مرهونة بمدى انسجامه مع هذه المعايير، مما يُحدث ضغطاً ممنهجاً نحو التوافق مع النموذج المهيمن.
كل هذه الآليات لا تعمل بالإكراه المباشر، بل بمنطق الحوافز والعقوبات الرمزية: من ينسجم يُكافأ بالاعتراف والنشر والمناصب، ومن يُقاوم يُعاقب بالتهميش والإغفال. وهذا المنطق أشد تأثيراً من الإكراه لأنه يُنتج قناعة داخلية بدلاً من خضوع خارجي.
خاتمة: من تشخيص الجرح إلى صناعة المناعة
ختاماً، لا يكفي الإقرار بأن الاستعمار ترك جراحاً عميقة، ولا يكفي الإقرار بأن الذات الحضارية تحمل اختلالاتها الداخلية. ما يُطلب هو الانتقال من تشخيص الجرح إلى صناعة المناعة: مناعة معرفية تمكّن الباحث المسلم من الاستفادة من المنجز الإنساني دون الاستلاب له، والاشتباك مع المنظومات الفكرية الأخرى دون الذوبان فيها، والانفتاح على الاختلاف دون التخلي عن الموقع.
وهذه المناعة لا تُبنى بالانغلاق ولا بالنفي، بل بشيء أصعب منهما: باليقظة المعرفية – تلك القدرة على التمييز في كل مفهوم وكل منهج بين ما يُعين على فهم الإنسان والمجتمع وما يُزيح الأفق الهادي الذي يمنح هذا الفهم معناه ووجهته.
وبهذا المعنى تتحوّل مسألة الاستعمار من عبء يُثقل الحاضر إلى درس يُضيء المستقبل: درس في أن المناعة الحضارية الحقيقية لا تأتي من رفض الآخر، بل من عمق الجذور في الذات – في المرجعية التي تمنح العقل قبلته ووجهته وتجعل البحث فعلاً ذا معنى لا مجرد إنتاج أكاديمي.
تُعالج المقالة الثالثة البنية العميقة لما أنتجه التفاعل بين هذه العوامل: طبقات التدمير الحداثي للإنسان والمعرفة والاجتماع – من الفصل إلى الإذابة إلى التبخير إلى المسخ.
المراجع
1. Arkoun, M. (2002). The Unthought in Contemporary Islamic Thought. Saqi Books.
2. Fanon, F. (1961). Les Damnés de la Terre. François Maspero. [English: The Wretched of the Earth, trans. C. Farrington, Grove Press, 1963].
3. Hallaq, W. B. (2013). The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. Columbia University Press.
4. Mignolo, W. D. (2000). Local Histories/Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledges, and Border Thinking. Princeton University Press.
5. Said, E. W. (1993). Culture and Imperialism. Alfred A. Knopf.
6. Quijano, A. (2000). Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America. Nepantla: Views from South, 1(3), 533–580.
7. Wa Thiong’o, N. (1986). Decolonising the Mind: The Politics of Language in African Literature. James Currey.
التعليقات