القرآن والبحث والباحث والمبحوث في الفضاء الأكاديمي (الجزء 5)

الدكتور رفيق الناوي
من هو المخاطب؟
في رسم ملامح المتلقي المقصود
مدخل: سؤال يسبق الكلام
قبل أن يُكتب أي نص ينبغي أن يعرف كاتبه من يُخاطب. ليس لأن هذا شرط بلاغي فحسب، بل لأن طبيعة المخاطَب تُحدد طبيعة الخطاب: لغته، ومستوى افتراضاته، وطريقة بنائه للحجة، ودرجة ما يقوله صريحاً وما يتركه ضمنياً. وهذه السلسلة، التي مضت أربع مقالات منها في تشخيص الأزمة ورسم طبقاتها، تحتاج اليوم إلى وقفة تُجيب عن سؤال كان ينبغي ربما أن يُطرح في البداية لكنه تأخر لأن التشخيص ذاته يُساعد على تحديد الإجابة: من المخاطَب بهذا الكلام؟
وهذا ليس سؤالاً تقنياً في علم التواصل، بل سؤال معرفي وأخلاقي في آنٍ معاً: معرفي لأن تحديد المخاطَب يُحدد ما يُفترض فيه من معرفة ومن موقف ومن استعداد، وأخلاقي لأن الخطاب الذي لا يعرف من يُخاطب يخاطر بأن يُسيء إلى من لا يقصد إساءته، أو يُخفف مما ينبغي أن يُحكم.
أولاً: من لا تُخاطبه هذه السلسلة
من الأجدى أحياناً أن يبدأ التحديد بالنفي؛ بإقصاء ما ليس مقصوداً قبل الإشارة إلى ما هو مقصود. وهذا السلسلة لا تُخاطب ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: من يرفض القرآن أصلاً مرجعياً
ليس في هذه السلسلة دعوة إلى من أعرض عن القرآن رفضاً صريحاً، أو من ينطلق من أفق علماني لا يرى للوحي دوراً في بناء المعرفة. النقاش معه نقاش آخر يستلزم مقدمات مختلفة، وهو نقاش مشروع لكنه ليس موضوع هذا المشروع. فمن يُنكر الأصل لا تجدي معه الدعوة إلى إعادة توظيفه.
الصنف الثاني: من يُوظّف القرآن أيديولوجياً بلا اشتغال معرفي حقيقي
وهذا صنف مختلف عن السابق لكنه بعيد أيضاً عن المقصود: من يرفع القرآن شعاراً في وجه الحداثة دون أن يمتلك أدوات الاشتباك النقدي الحقيقي معها، ومن يجعل من الانتماء القرآني حصناً يتحصن به من الأسئلة الصعبة لا أفقاً ينطلق منه نحوها. هذا الصنف لا يعاني من إغفال القرآن بل من توظيفه على غير وجهه؛ يستحضره دفاعاً لا تأسيساً، واحتجاجاً لا هداية. وهذه السلسلة لا تُخاطبه بخطاب التحريض بل بخطاب المساءلة.
الصنف الثالث: من أنجز فعلاً ما تدعو إليه هذه السلسلة
ثمة باحثون -قليلون لكنهم موجودون- يشتغلون فعلاً من موقعهم المرجعي القرآني بصرامة منهجية وانفتاح نقدي حقيقي، يُفحصون المناهج التي يستخدمونها، ويُؤسسون أسئلتهم من داخل أفق واضح، ويُسهمون في المعرفة الإنسانية دون استلاب ودون انغلاق. هؤلاء ليسوا مخاطَبين بالدعوة والتنبيه بل ربما بالحوار والإثراء.
ثانياً: من هو المخاطَب إذن؟
المخاطَب الحقيقي في هذه السلسلة هو ذلك الباحث الذي عرفناه في المقالة السابقة: المثقف/الباحث المسلم الذي يعيش إغفالاً منهجياً للمرجعية القرآنية لا رفضاً لها. وهذا التمييز بين الإغفال والرفض حاسم ويستحق التوقف.
الإغفال المنهجي لا يعني اللامبالاة الشخصية بالقرآن -فصاحبه قد يكون من أكثر الناس تلاوةً وتعلقاً. والإغفال المنهجي لا يعني الجهل بالقرآن -فصاحبه قد يكون حافظاً عالماً. والإغفال المنهجي لا يعني النيّة السيئة -فصاحبه يُريد في الغالب الجمع لا الاستبعاد. ما يعنيه الإغفال المنهجي هو شيء أدق وأخطر: أن القرآن لا يحضر في اللحظة التأسيسية للسؤال المعرفي أي في لحظة صياغة الإشكالية، واختيار المفاهيم، وتحديد الغاية، وتقويم المآل. يحضر قبل هذه اللحظة وبعدها، لكنه يغيب في جوهرها.
وهذا الباحث موجود في كل الحقول: في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والفلسفة والتربية والاقتصاد والسياسة والأدب والتاريخ. وهو في الغالب متمكن من أدواته، مطّلع على الأدبيات الدولية، يشتغل بجدية واجتهاد، ولا يُحسّ بالضرورة أن ثمة أزمة في ممارسته. وربما هذا هو الجانب الأكثر حساسيةً في تحديد المخاطَب: أنه لا يُحسّ بالأزمة لأن المنظومة التي يشتغل فيها لا تُتيح له رؤيتها.
ثالثاً: لغة الخطاب؛ أكاديمية لا وعظية
من أخطر ما يمكن أن يُصيب مشروعاً كهذا أن ينتهي إلى أسلوب الوعظ والإرشاد: أسلوب يُحدّد الخطأ ويُصدر الحكم ويدعو إلى التوبة. وهذا الأسلوب، مهما حسنت نيته، يُفشل الهدف من ثلاثة أوجه:
أولاً: يُحوّل الباحث المخاطَب من شريك في التفكير إلى متهم في قفص الاتهام، فيُثير دفاعيته بدلاً من استدراج تأمله.
ثانياً: يُقدّم الإشكال بوصفه أخلاقياً -مسألة التزام وتقوى- في حين أنه في جوهره معرفي ومنهجي: مسألة بنية السؤال وصحة الأداة وسلامة الغاية.
ثالثاً: يُعطي انطباعاً بأن الحل بسيط وجاهز -العودة إلى القرآن- في حين أن ما تدعو إليه هذه السلسلة أصعب وأعمق من العودة: إنها إعادة بناء العلاقة بين الباحث ومرجعيته، وهذا يستلزم جهداً فكرياً حقيقياً لا مجرد قراراً وجدانياً.
لذلك فإن لغة هذه السلسلة أكاديمية في صرامتها: تبني الحجة، تُوثّق الادعاء، تستحضر المرجعيات الفكرية من التراثين العربي الإسلامي والغربي النقدي، وتُقرّ صراحةً بما لا تملك إجابة عنه وما تدعو إلى مزيد من البحث فيه. ولا تتوارى خلف هذه الأكاديمية عن الإعلان بمنطلقاتها: فالحياد الزائف الذي يُخفي موقفه خلف لغة موضوعية هو نفسه نوع من التضليل.
لكن الأكاديمية لا تعني البرودة. ثمة في هذا الكلام حرقة احتجاجية حقيقية: حرقة من يرى أمةً تملك أصلاً مؤسِّساً من أعظم ما أنتجته الإنسانية في التعامل مع سؤال الوجود والإنسان والمعرفة، ثم تُغفله في المكان الذي يُنتج فيه سؤالها عن نفسها وعن العالم. هذه الحرقة لا تُناقض الأكاديمية بل تمنحها ما يمنع البحث من أن يتحول إلى تمرين ذهني منفصل عن الواقع.
رابعاً: استحضار المرجعيات الغربية دون الخضوع لبنياتها
من أكثر ما يُميّز هذه السلسلة أنها تستحضر بحسب الحاجة المرجعيات الفكرية الغربية -فوكو وباومان وهابرماس وبورديو وكون وغيرهم’ في معرض نقد ما أنتجه المشروع الغربي الحداثي من اختلالات. وهذا يستدعي توضيح موقف: لماذا هذا الاستحضار؟ وهل لا يُناقض روح المشروع؟
الجواب أن استحضار هذه المرجعيات لا يعني الخضوع لبنياتها الهادية، بل يعني توظيفها وفق مبدأ تمييز ثلاثي: الأداة من الخلفية والنتيجة من المقدمة والإسهام من الاستلاب.
الأداة من الخلفية: كثير من الأدوات التحليلية التي طوّرها الفكر الغربي النقدي صالحة للاستخدام في سياقات مختلفة عن سياق نشأتها. مفهوم “رأس المال الرمزي” عند بورديو يُتيح فهم ديناميكيات الحقل الأكاديمي بصورة ثاقبة حتى حين يُوظَّف في تحليل الحقل الأكاديمي الإسلامي. مفهوم “الاستعمارية المعرفية” عند ميغنولو يُضيء آليات التبعية المعرفية في سياقات لم يخطط ميغنولو أن يُعالجها بالضرورة. استخدام هذه الأدوات لا يعني القبول بالخلفيات الأنطولوجية التي نشأت فيها.
النتيجة من المقدمة: الفكر الغربي النقدي أنتج تشخيصات بالغة الدقة لاختلالات الحداثة؛ هذه التشخيصات صحيحة في كثير من وجوهها مستقلةً عن المقدمات الفلسفية التي انطلق منها أصحابها. نقد هوركهايمر وأدورنو للعقل الأداتي يصف ظاهرة حقيقية وإن كان الحلّ الذي يقترحانه محدوداً بحدود أفقهما. الاستفادة من النتيجة لا تستلزم قبول كل المقدمة.
الإسهام من الاستلاب: الباحث الذي يُوظّف هذه المراجع يُسهم في حوار فكري عالمي -وهذا واجب الشاهد الذي يُقدّم شهادته في الملأ لا الذي يتحدث إلى نفسه. لكن الإسهام في الحوار لا يعني أن يُحدّد الآخر أجندة الحوار وإشكالياته ومفاهيمه وغاياته. الإسهام الحقيقي هو الذي يُدخل إلى الحوار صوتاً مختلفاً يطرح أسئلة لا يطرحها الحوار الداخلي، ويُقدّم أفقاً لا يراه أصحاب الحوار من موقعهم.
خامساً: الباحث المسلم بين موقع التابع وموقع الشاهد
يُشير هذا البحث في أكثر من موضع إلى التمييز بين الباحث التابع والباحث الشاهد، وهو تمييز يستحق هنا توضيحاً أعمق لأنه يُلخص ما يُنتظر من المخاطَب أن يُدركه.
الباحث التابع هو من يُنتج معرفته وفق ما يُحدده المركز: أسئلة المركز، مفاهيم المركز، معايير المركز، اعتراف المركز. ليس التابعُ بالضرورة جاهلاً أو ضعيفاً؛ قد يكون بالغ الكفاءة في الأدوات التي يستخدمها. لكنه يشتغل دون موقع مرجعي مستقل؛ فهو ينتج المعرفة مما ينتجها الآخر لا مما ينبع من رؤيته الخاصة للإنسان والعالم والغاية. وهذا التبعية تجعله في أحسن الأحوال ناقلاً ممتازاً ومحللاً ماهراً لما أنتجه غيره، لكنها تحول بينه وبين أن يكون منتجاً أصيلاً لمعرفة تنبثق من موقعه الخاص.
الباحث الشاهد في المقابل هو من ينتج معرفته من موقعٍ: موقعٌ له أصل في رؤية للإنسان والوجود والغاية، رؤية تُوجّه سؤاله وتُحدد ما يراه مهماً وما يراه هامشياً، وما يعتبره إسهاماً في فهم الإنسان وما يعتبره تشويهاً له. هذا الموقع لا يعزله عن المعرفة الإنسانية المتراكمة ولا يجعله يرفضها، بل يمنحه أداة للتمييز داخلها: ما يستفيد منه وما يُخضعه للنقد، ما يُكمّل من موقعه وما يتجاوزه.
والشاهد بالمعنى القرآني ليس مجرد من يرى ويُحلّل؛ بل من يُؤدّي شهادته أمام الناس بما يُلزمه بالعدل والصدق والمسؤولية. فالباحث الشاهد يُنتج معرفته وهو يشعر أنه مسؤول عنها أمام الحقيقة وأمام الناس وأمام الله -وهذا المعنى الثلاثي للمسؤولية هو ما يمنح البحث وجهته ويحفظه من الانزلاق إلى تمرين ذهني فارغ.
سادساً: ما الذي يُنتظر من المخاطَب؟
ليس المطلوب من المخاطَب أن يُلقي ما تعلّمه وراء ظهره. وليس المطلوب منه أن يُصدر حكماً إدانياً على مسيرته البحثية. وليس المطلوب منه أن ينزلق إلى خطاب الاعتذارية أو الدفاعية عن الإسلام والحضارة الإسلامية. ما يُنتظر منه هو شيء أصعب وأثمن: اليقظة المعرفية- تلك القدرة على التوقف والسؤال في قلب الممارسة البحثية ذاتها.
يقظة تسأل: من أين جاء هذا السؤال الذي أشتغل عليه، ومن حدّده؟
يقظة تسأل: ما الذي تفترضه المفاهيم التي أستخدمها عن الإنسان، وهل هذه الافتراضات قابلة للمساءلة من موقعي المرجعي؟
يقظة تسأل: ما الغاية من هذا البحث، وإلى أي صورة من صور الإنسان يُفضي؟
يقظة تسأل: ما الذي يراه القرآن في هذا الموضوع الذي أبحث فيه، لا بمعنى البحث عن آية تُزيّن مقدمتي، بل بمعنى ما الذي يُؤسّسه القرآن عن الإنسان والمجتمع مما يجعل سؤالي أكثر اكتمالاً أو يكشف له زاويةً لا يُتيحها المنهج المستورد وحده؟
هذه اليقظة ليست سهلة لأنها تستلزم تعليم الذات على المساءلة في لحظة الاشتغال لا في لحظة الراحة من العمل. لكنها الطريق الوحيد إلى ما يمكن تسميته “البحث من موقع حامل لموقف”؛ بمعنى البحث الذي لا يُلغي الآخر لكنه لا يُذعن له، الذي يستفيد من المنجز الإنساني لكنه لا يستسلم لخلفياته، الذي يُسهم في الحوار العالمي لكنه يُدخل فيه صوتاً يختلف في أصله وغايته.
خاتمة: الخطاب الذي يستدعي شريكاً لا متلقياً
ما تطمح إليه هذه السلسلة في نهاية المطاف ليس أن تُقنع المخاطَب بموقف جاهز، بل أن تستدعيه شريكاً في تفكير مشترك. ليس الهدف إنتاج موافقين على أطروحة، بل استدراج متأملين في إشكالية. فالباحث الشاهد الذي تدعو إليه هذه السلسلة لا يُولَد بالإقناع بل بالاشتغال: بالتجربة الحقيقية لطرح سؤاله من موقعه، واكتشاف ما يُتيحه هذا الموقع مما لا يُتيحه غيره، وما يُقيّده مما يستلزم الإقرار به والتعامل معه.
وإن كان في هذا الكلام ما يُزعزع، فهذا مقصود. المعرفة التي لا تُزعزع لا تُنبّه. والباحث الذي لا ينتبه إلى اختلال ممارسته لا يُعالجه. وأول المعالجة أن تُرى الأزمة بوضوح، لا من موقع الحكم والإدانة، بل من موقع الرفيق الذي يُشير إلى ما قد يكون خفي على صاحبه.
تنتقل السلسلة في مقالتها السادسة إلى التأسيس الإيجابي: إلى القراءة بوصفها فعلاً وجودياً مؤسِّساً، وإلى ما يعنيه قوله تعالى ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ حين يُقرأ في أفق المعرفة لا في أفق الشعيرة وحده.
المصادر:
• Bourdieu, P., & Wacquant, L. J. D. (1992). An Invitation to Reflexive Sociology. University of Chicago Press.
• Chakrabarty, D. (2000). Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton University Press.
• Dussel, E. (1995). The Invention of the Americas: Eclipse of “the Other” and the Myth of Modernity. Continuum.
• Fanon, F. (1961). Les Damnés de la Terre. François Maspero.
• Feyerabend, P. (1975). Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge. New Left Books.
• Gadamer, H.-G. (1960/2004). Truth and Method. Continuum.
• Mignolo, W. D. (2011). The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options. Duke University Press.
• Wynter, S. (2003). Unsettling the Coloniality of Being/Power/Truth/Freedom. CR: The New Centennial Review, 3(3), 257–337.




التعليقات