العمل في العشر الأواخر من رمضان

11 مارس 2026

جمع: د. يوسف الحزيمري
ها هو شهر رمضان قد اصفرت شمسه وأذنت بالغروب، فلم يبق منه إلا ثلثه الأخير، فماذا عسانا قدمنا فيما مضى؟، وهل أحسنا فيه أم أسأنا؟، فيا أيها المجتهد؛ هل تحس الآن بتعب ما بذلت من الطاعة؟، ويا أيها الكسول المنغمس في الملذات والشهوات والغفلات، هل تجد راحة الكسل والإضاعة؟

وهل بقي لك طعم الشهوة في هذه الساعة، فإن كنت من المقصرين أمثالي فقم وتدارك فهذه العشر الأواخر عجيبة، إذ رمضان على نسق عجيب تلتقي فيه البدايات ‌بالنهايات، وتنسجم الأواسط مع هذه البدايات والنهايات، فإذا لم نصحح النيات والخطوات، فالله أعلم ‌بالنهايات!.

واعلم أن لهذه العشر الأواخر معالم يجب سلوكها لتكون العبرة بحسن الخواتم، وهاكها في هذه العجالة مختصرة محررة:

أولا: جده واجتهاده صلى الله عليه وسلم:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‌إذا ‌دَخَلَ ‌الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أهله».
و(شد مئزره) هو كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد لها زيادة عن المعتاد، وقيل: هو من ألطف الكنايات عن اعتزال النساء وترك الجماع، والمئزر الإزار، وهو ما يلبس من الثياب أسفل البدن، و(أيقظ أهله) نبههن للعبادة وحثهن عليها.

فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها بالعبادة والطاعة أكثر مما يجتهد فيما سواها من ليالي الشهر كلها.

ثانيا: عنايته الخاصة صلى الله عليه وسلم بليالي العشر

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ‌يخلط ‌العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر.

وعن أنس: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا أربعًا وعشرين لم يذق غمضًا”.

أي أنه في العشر الأواخر لا ينام، يحيي ليله، والعشر لها مزية، وهي أفضل ليالي السنة، والعشر الليالي العشر الباقية من رمضان، كما أن أفضل الأيام أيام العشر من ذي الحجة، وهذه الليالي العشر تشتمل على ليلة هي خير من ألف شهر، ليلة القدر، وعشر من ذي الحجة تشتمل على يوم عرفة، ويوم العيد الحج الأكبر.

كان صلى الله عليه وسلم يحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والقراءة وسائر القربات، وإيقاظ الأهل ليقوموا بذلك، قال سفيان الثوري: أحبّ إليّ إذا دخل العشر ‌الأواخر ‌أن ‌يتهجّد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطرق فاطمة وعليّا ليلا فيقول لهما: «ألا تقومان فتصلّيان».

وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجّده وأراد أن يوتر. وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصّلاة، ونضح الماء في وجهه. وفي «الموطإ» أن عمر بن الخطاب كان يصلّي من الليل ما شاء الله أن يصلّي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصّلاة، يقول لهم: الصّلاة الصّلاة، ويتلو هذه الآية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها}[طه: 132].

ثالثا: تحريه صلى الله عليه وسلم ليلة القدر:

‌ليلة ‌القدر «‌ليلة مباركة» لما فيها من البركة والخير، قال تعالى: {‌إِنَّا ‌أَنْزَلْناهُ ‌فِي ‌لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}[الدخان:3] وليلة عظيمة الفضل والقدر قال تعالى: {‌إِنَّا ‌أَنْزَلْنَاهُ ‌فِي ‌لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وهي ليلة الحكم «يُقْضَى فِيهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَى مِثْلِهَا»

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقيامها وتحريها والتماسها في العشر الأواخر، وبين فضل ذلك حيث قال صلى الله عليه وسلم:«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غفر لله ما تقدم من ذنبه)»، «والمراد من صامه تصديقًا بالأمر به، عالمًا بوجوبه، خائفًا من عقاب تركه، محتسبًا جزيل الأجر في صومه، وهذه صفة المؤمن».

فمن قام ليالي العشر كلها إيمانا واحتسابا أدرك هذه الليلة بلا شك،وفاز بما وعد الله أهلها، فاجتهد في تحري ليلة القدر في هذه العشر فقد قال تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ ‌خَيْرٌ ‌مِنْ ‌أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].
رابعا: اعتكافه صلى الله عليه وسلم.

الاعتكاف هو لزوم المسجد بنية مخصوصة، لطاعة الله تعالى، وهو سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الزهري: «‌عجبًا ‌للمسلمين، ‌تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله تعالى».

وعن أبي سعيد الخدري، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‌يعتكف ‌العشر الوسطى من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج صبيحتها من اعتكافه، فقال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر»، وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ.

عن عائشة رضي الله عنها، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ ‌يَعْتَكِفُ ‌الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثم اعتكف أزواجه من بعده).

قال ابن القيم في زاد المعاد: «وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام، فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنة مرة، فلما كان ذلك العام عارضه به مرتين وكان يعرض عليه القرآن أيضا في كل سنة مرة فعرض عليه تلك السنة مرتين… تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه».

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...