العقل بين الوحي والتاريخ.. دراسة نقدية في فشل الإصلاح وغياب النهضة الإسلامية

24 أبريل 2026

الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لم يكن سؤال النهضة يومًا ترفًا فكريًا في العالم الإسلامي، بل كان – ولا يزال – سؤال الوجود التاريخي ذاته. فمنذ الصدمة الحضارية التي أحدثها الاحتكاك المباشر مع الغرب الحديث، برزت محاولات متعددة للإصلاح، تراوحت بين الدعوة إلى العودة إلى الأصول، والانفتاح الانتقائي على منجزات الحداثة، والسعي إلى التوفيق بينهما.

وقد تجسدت هذه المحاولات في جهود نخبة من رواد النهضة الذين سعوا، كلٌّ من موقعه، إلى إعادة بناء العلاقة بين الوحي والتاريخ، ومن أبرزهم جمال الدين الأفغاني الذي دعا إلى إحياء الوعي السياسي ومقاومة الاستبداد والاستعمار، وتلميذه محمد عبده الذي ركّز على إصلاح التعليم الديني وتحرير العقل من الجمود، ثم رشيد رضا الذي حاول تطوير مشروع سلفي إصلاحي يجمع بين الأصالة والتجديد.

كما برز عبد الرحمن الكواكبي في نقد الاستبداد السياسي وبيان أثره في تعطيل النهضة، في حين قدّم مالك بن نبي تحليلًا اجتماعيا ونفسيا لإشكالية القابلية للاستعمار وربطها ببنية التخلف الداخلي، وسعى محمد إقبال إلى إعادة بناء الفكر الديني على أسس فلسفية ديناميكية تعيد الاعتبار للإنسان الفاعل .

وفي السياق المغربي، برزت أسماء حاولت بدورها الإسهام في مشروع الإصلاح والنهضة، من قبيل علال الفاسي الذي سعى إلى تأصيل الإصلاح ضمن مرجعية إسلامية وطنية تربط بين التحرر السياسي والبناء الحضاري، ومحمد عابد الجابري الذي قدّم نقدًا إبستمولوجيًا للعقل العربي، محاولًا تفكيك بنياته المعرفية التقليدية.. غير أن هذه الجهود، على أهميتها وعمقها، ظلت في مجملها محاولات فردية أو جزئية، لم تتحول إلى مشروع حضاري متكامل قادر على إحداث قطيعة معرفية حقيقية مع أنماط التفكير السائدة.

ومع ذلك، وبعد أكثر من قرن ونصف من الجهود، لا يزال الحصاد دون التطلعات، في حين استطاعت أوروبا أن تنتقل من عصور الانحطاط إلى آفاق الهيمنة الحضارية. هذا التباين الحاد يدفع إلى قراءة نقدية عميقة، لا تكتفي برصد الظواهر، بل تنفذ إلى البنى المعرفية والمقاصدية التي حكمت كلا المسارين.

إن أول ما يلفت النظر في مسار الإصلاح الإسلامي المعاصر هو طابعه الدفاعي . فقد نشأ في سياق ضغط خارجي، سواء كان استعمارًا عسكريًا أو تفوقًا علميًا وتقنيًا، ما جعله أقرب إلى رد فعل منه إلى مشروع حضاري متكامل.

وهذا الطابع الدفاعي انعكس على طبيعة الخطاب الإصلاحي، الذي انشغل بإثبات أن الإسلام لا يتعارض مع العلم، أو أنه سبق الغرب في بعض منجزاته، بدل أن ينشغل بإنتاج معرفة جديدة تنبثق من مقاصده الكبرى. لقد ظل السؤال المركزي هو: كيف نلحق بالغرب؟ لا: كيف ننتج نموذجنا الخاص في العمران؟

ومن جهة أخرى، عانى الفكر الإصلاحي من اختلال في فهم العلاقة بين النص والواقع. فبينما أكد كثير من رواده على ضرورة الاجتهاد، ظل هذا الاجتهاد محكومًا بقيود تقليدية، جعلته يدور في فلك الفقه الجزئي، دون أن يرتقي إلى مستوى النظر المقاصدي الشامل.

وهكذا، بدل أن يتحول المقصد إلى أداة لتحرير العقل، تحول أحيانًا إلى مجرد تبرير انتقائي لأحكام مسبقة. إن المقاصد في جوهرها تمثل روح الشريعة وغاياتها الكلية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، لكن هذه المبادئ لم تُفعّل بوصفها إطارًا لبناء نظم سياسية واقتصادية ومعرفية جديدة، بل بقيت في الغالب حبيسة التنظير.

ويزداد هذا الوضع تعقيدًا بالنظر إلى أن أغلب الدول الإسلامية لم تحسم إلى اليوم موقعها في تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي، ولا في التمييز المنهجي بين شؤون الدين وشؤون الدنيا، حيث ما تزال هذه العلاقة تتأرجح بين صيغ متداخلة وغير مستقرة، يغيب فيها الضبط المؤسسي الواضح والمرجعية المتفق عليها.

وقد أفضى هذا الالتباس البنيوي إلى إضعاف الطابع النقدي للفكر الإصلاحي، وتحويله في كثير من الأحيان إلى خطاب توفيقي، مما حال دون بلورة مشاريع إصلاحية متماسكة وقادرة على إحداث تحول حقيقي في الممجتمعات المسلمة .

وفي المقابل، شهدت أوروبا صراعًا حادًا بين الكنيسة والسلطة السياسية والفكرية، انتهى بإعادة توزيع السلطة الرمزية، وفتح المجال أمام العقل ليؤسس استقلاله .

إن نجاح النهضة الأوروبية لم يكن نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين تحولات فكرية وعلمية وسياسية. فقد شهدت أوروبا ثورة معرفية حقيقية، تمثلت في الانتقال من التفكير المدرسي القائم على الشروح والتعليقات، إلى التفكير النقدي القائم على الملاحظة والتجربة.

ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في أدوات المعرفة، بل كان انقلابًا في تصور الإنسان للعالم ولنفسه. لقد أصبح الإنسان مركز الكون، وأصبح العقل معيارًا للحقيقة، وهو ما أتاح انطلاق الثورة العلمية.

في المقابل، لم يشهد العالم الإسلامي ثورة معرفية مماثلة، رغم وجود إرهاصات مبكرة في تراثه. فقد بقيت العلاقة مع التراث علاقة تقديس أكثر منها علاقة نقد، ما أدى إلى تراكم معرفي دون تجديد حقيقي.

إن التراث الإسلامي غني بالاجتهادات المتنوعة، لكنه تحول في الوعي الجمعي إلى كتلة صلبة، يصعب مساءلتها أو إعادة تأويلها. وهنا يظهر الخلل المقاصدي بوضوح: فبدل أن يكون المقصد هو تحقيق المصلحة، أصبح الحفاظ على الموروث هدفًا في ذاته، حتى وإن تعارض مع مقتضيات الواقع.

ومن العوامل الحاسمة أيضًا في نجاح النهضة الأوروبية هو بناء مؤسسات قوية ومستقلة، سواء في مجال التعليم أو البحث العلمي أو الحكم. فقد أدرك الأوروبيون أن النهضة لا تقوم على جهود فردية، بل تحتاج إلى بنى مؤسسية تضمن الاستمرارية والتراكم. أما في العالم الإسلامي، فقد ظلت المؤسسات هشة، أو خاضعة للأحزاب الحاكمة، ما جعلها عاجزة عن إنتاج معرفة حرة أو إدارة تنمية مستدامة.

ولا يمكن إغفال البعد الأخلاقي في هذه المقارنة. فبينما استطاعت أوروبا أن تؤسس لأخلاق العمل والإنتاج والانضباط، ظل العالم الإسلامي يعاني من فجوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. وهذه الفجوة ليست ناتجة عن نقص في التعاليم، بل عن خلل في تفعيلها. فالقيم الإسلامية تزخر بالدعوة إلى الإتقان والعدل والمسؤولية، لكنها لم تتحول إلى منظومة سلوكية عامة، بل بقيت في كثير من الأحيان شعارات خطابية على منابر الجمعة .

إن القراءة المقاصدية النقدية تقتضي إعادة طرح السؤال من جذوره: ما الذي نريده من الإصلاح؟ هل هو مجرد التكيف مع العالم الحديث، أم بناء نموذج حضاري بديل؟

إن المقاصد، إذا فُهمت في عمقها، تدعو إلى تحقيق كرامة الإنسان، وإقامة العدل، وتنمية العمران. وهذه الأهداف لا يمكن تحقيقها دون تحرير العقل من القيود، وإعادة بناء العلاقة مع النص على أساس الفهم لا التلقين، ومع الواقع على أساس التغيير لا التبرير.

كما أن هذه القراءة تفرض تجاوز الثنائية الزائفة بين الأصالة والمعاصرة. فليست المشكلة في الأخذ من الغرب أو تركه، بل في القدرة على الاختيار الواعي. لقد أخذت أوروبا من حضارات سابقة، بما فيها الحضارة الإسلامية، لكنها أعادت إنتاج ما أخذته ضمن سياقها الخاص. أما نحن، فكثيرًا ما نأخذ دون تمثل، أو نرفض دون فهم، ما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة.

إن فشل الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة اختيارات معرفية وسياسية يمكن مراجعتها. والنهضة الأوروبية ليست نموذجًا مقدسًا، بل تجربة تاريخية لها سياقها وحدودها.

لكن المقارنة بينهما تكشف عن دروس عميقة: أن النهضة تبدأ من سؤال المعرفة، وأن الحرية شرط للإبداع، وأن المؤسسات ضمان للاستمرار، وأن المقاصد الكبرى لا تتحقق إلا إذا تحولت إلى سياسات وممارسات.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة الماضي، ولا في استنساخ الحاضر الغربي، بل في القدرة على إنتاج مستقبل ينبع من الذات وينفتح على العالم.

وهذا يتطلب شجاعة فكرية، وإرادة سياسية، ووعيًا مقاصديًا يعيد ترتيب الأولويات، ويحرر الدين من التوظيف، والعقل من الجمود، والإنسان من التبعية. فقط عندها يمكن أن يتحول الإصلاح من شعار إلى واقع، ومن حلم مؤجل إلى مشروع قابل للتحقق .

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...