العرب وعيوب الفكر الاستراتيجي
أبو يعرب المرزوقي
ما يحيرني حقاً في مواقف جل النخب العربية مما يجري حالياً في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران بمساعدة التقاطبين الغربيين (أمريكا وأوروبا) والشرقيين (الصين وروسيا) ليس المواقف بل عللها الدالة على القصور المنطقي فضلا عن القصور في فهم تاريخ الاستراتيجيات الحربية أولا ورؤية الإسلام لمقوماتها:
1- فهم يعتقدون أن السياسة تخضع للثالث المرفوع في حين أنها بالجوهر متجاوزة لعدم التناقض بل إن تناقضها يتجاوز حضور الثالث المرفوع وأكثر منه. فما كانت امريكا تدخل الحرب العالمية الثانية لولا غلطة اليابان في ضرب قاعدة امريكية: بيرل هابر. كانت الحرب بين حلفين كلاهما متعدد المتدخلين ثم زاد تعددهما لما تدخلت روسيا وأمريكا، رغم كونهما كانا على عداوة، وروسيا كانت حليفة لهتلر وتقاسمت معه بعض دول أوروبا.
2- فهم لم يفهموا الآية 60 من الأنفال، التي تعدد ثلاثة أعداء صراحة، الثالث منهم لا يعلمه إلا الله، وهو يحيل إلى الطوابير الخامسة والاختراق من الأعداء، والتي هي أمضى سلاح في كل الحروب، لأنها تتعلق بما يستحيل الإحاطة به مهما كانت المخابرات الدفاعية شديدة الفاعلية، وهو من أهم عوامل نصر الغزاة في الحروب.
علماً وأن العدو الأول والثاني كلاهما مضاعف:
أ) فعدو الله؛ ب) وعدوكم قد يتلازمان وقد ينفصلان. فيكون الأول دافع الثاني أو الثاني دافع الأول، ويكون الفصل بينهما ممكناً إذا كان أحدهما دافعاً منفرداً، وهو ما يؤسس للسلم بين الاديان إذا لم تتحول إلى صراع غير ديني، ويمكن التحالف مع الثاني. فتكون الدوافع للنصر والهزيمة في الحروب أربعة قابلة للإحاطة، والخامسة مما لا يعلمه بإطلاق إلا الله.
3- في حالتنا الحالية: ما دافع التصادم بين إيران وإسرائيل؟ أليس هو مشكل تقاسم الأقليم لظنهم أن أهله موتى لا يستطيعون مقاومة أي منهما إذا انتصر على الثاني، فيكون من مصلحة العرب مثلا أن يحافظوا عليهما معاً حتى يحتموا بأحدهما ضد الثاني، وينفسموا بمقتضى عجزهم إلى من يحتمي بالأول ضد الثاني أو بالثاني ضد الأول، لأنهم مثل العاهرة التي لها (2 جوجلو)؟
4- يعني بلغة شعبية بدلا من “الاسترجال” والتعاون في ما بينهم حتى يكونوا في غنى الاحتماء، لأنهم هم الأغنى والاقوى والأكثر عدداً وعدةً، ومن ثم، فالمفروض ألا يكونوا عاهرات تبحث (عن جوجلوا) للاحتماء به، ليس ضد عدو آخر، بل ضد بعضهم البعض، فيكون جل الآراء التي سمعتها ناتجة عن كون المتكلمين في الموضوع هم عين “قدم اخيل” في الصدام الذي يجعل شعوبهم ضحايا حمق قاداتها ونخبها؟
5- وليكن التاريخ حكماً في هذه المعضلة: ألم يكون العرب قبل الإسلام في وضعية شبيهة بين فارس المسيطرة على نصف الجريزة العربية، وبيزنطة على باقي الأقليم ومعه نصف الهلال، أي من الشام إلى المغرب، والعلة هي أن العرب والأمازيغ كانوا “ياكلوا” في بعضهم صراع قبائل، وصفها ابن خلدون بالعصبية المفضية للهرج والعاجزة من ثم عن [أن] تكون دولة قادرة على حمايتهم والاستغناء عن الفرس والبيزنطيين، وهو ما حصل بفضل الإسلام عليهم. لكنهم تخلوا عن سر عزتهم فصاروا ألعوبة كما كانوا بينهما.
فيكون الداء ليس إيران ولا إسرائيل، وليس الغربيين، بل بهامة الحكام والنخب التوابع لهم بسبب العصبيات القبلية المفضية للهرج، وكان الشعراء البلداء مجرد أبواق لحروب من جنس داحس والغبراء بين القبائل، وتفاخر الحكام بعضهم على البعض، وعدم الخروج من المطالبة بالثأر كصاحب “اليوم خمر وعدا أمر”، ويعني القوادة لمفك فارس. (تفوه) على الطوابير الخامسة التي لن تقضي على العرب وحدهم، بل هي بدأت بالقضاء على إيران: طوابيرها الخامسة دارت عليها في عقر دارها وليس في حواشيها فحسب.
وكم أعجب من الذين يدعون أن الإيرانيين أذكياء وأهل حضارة: أولا؛ خسروا كل معاركهم مع اليونان ثم مع بيزنطة، وثانياً؛ لم يستطيعوا الوقوف أكثر [من] بعض سنين ضد العرب لما توحدوا، وأخيراً؛ فإن كل مؤامراتهم من الفتنة الكبرى إلى اليوم حتى بحلهم مع الصليبيين والمغول والاسترداديين والاستعمار الغربي والشرقي لم ينتصروا حتى والعرب ضعاف فكيف بهم سيخيفون من يفهم تاريخهم وجبنهم عندما يلتقون بالعرب؟
وأخيراً؛ فإن المشكل في وجود الطوابير الخامسة هي علة نسيان هذا التاريخ الذي يبين أن المجوس ومحرفي الدينين المنافسين للإسلام لا يمكنهم أن ينجحوا أمام المسلمين حتى لو كانوا قلة -فحماس بطوفانها صمدت سنتين وكل مليشيات إيران رفعت الراية البيضاء في أقل من شهر، والثابت أن ما يفعله أقواها – حزب الله – يعاني حالياً من نتفاض المذبوع ومثله إيران لأنها قريبا ستستسلم بلا قيد ولا شرط: فما حدث لليابان، وما حدث لهتلر، وما حدث للسوفيات، وما سيحدث لا يختلف عنهم، من سيسقطه الإسلام وذلك هو معنى الاستئناف الآتي حتماً ودون أدنى ريب.
التعليقات