4 أبريل 2025 / 08:45

الصحة النفسية في العمل والنضال: مسؤولية مشتركة وحلول ممكنة

شكير بوشعيب ـ فاعل نقابي وحقوقي

لطالما كانت الصحة النفسية في المغرب ملفًا هامشيًا في السياسات العمومية، رغم التقارير الرسمية التي تشير إلى تفشي الاضطرابات النفسية بين فئات واسعة من المجتمع. ففي تصريح لوزير الصحة الأسبق لحسن الوردي داخل قبة البرلمان، أكد أن نصف المغاربة يعانون أو قد عانوا من اضطرابات نفسية.

لكن هذه النسبة قد تكون أعلى بين الشباب المنخرط في العمل السياسي، الحركات الاحتجاجية، والنشاط النقابي، خاصة مع الضغوط النفسية والاجتماعية التي تفرضها هذه السياقات.

بين النضال والعمل: تحديات الصحة النفسية

تعد وفاة الناشط سعيد بنجبلي ومحاولة انتحار الناشط أسامة الخليفي من أبرز الحوادث التي تطرح التساؤلات حول العلاقة بين النشاط السياسي والصحة النفسية. فقد أقدم سعيد بنجبلي على إنهاء حياته في بوسطن يوم 3 أبريل 2025، بعد صراع طويل مع اضطراب ثنائي القطب. في رسالته الوداعية، تحدث عن معاناته الشديدة مع المرض الذي حرمه من الاستمتاع بالحياة، مشيرًا إلى أن الموت بات خياره الوحيد.

أما أسامة الخليفي، أحد مؤسسي حركة 20 فبراير، فقد ظهر في بث مباشر وهو يتناول مواد سامة، مودعًا أصدقاءه قائلاً: “أودعكم جميعًا لأرى إن كانت هناك راحة في الحياة الأخرى”. ورغم نجاته من محاولة الانتحار، فقد توفي لاحقًا بعد صراع طويل مع مرض السرطان، ما زاد من تعقيد حالته النفسية.

لكن هذه المعاناة لا تقتصر على النشطاء السياسيين فقط، بل تمتد إلى بيئات العمل، حيث يواجه الموظفون والنقابيون تحديات مماثلة تؤثر على استقرارهم النفسي. فالنشاط النقابي، رغم كونه وسيلة للدفاع عن الحقوق، يحمل في طياته صراعات متواصلة وضغوطًا تؤثر على الصحة النفسية.

كما أن بيئة العمل قد تساهم في تدهور الصحة النفسية للعاملين نتيجة غياب الاعتراف بالمجهودات، الضغوط المهنية، التحرش المعنوي، وانعدام التوازن بين الحياة العملية والخاصة.

التحرش المعنوي في بيئة العمل: غياب الحماية القانونية

إن استمرار هذه الضغوط النفسية لا ينفصل عن الممارسات التي يعانيها العديد من الموظفين، وعلى رأسها التحرش المعنوي في أماكن العمل. فبدلًا من أن تكون بيئة العمل مساحة للإنتاجية والتطور، يجد بعض العاملين أنفسهم عرضة لممارسات ممنهجة من الإقصاء، الضغط النفسي، والتعسف الإداري.

هذا الواقع يزداد تعقيدًا مع غياب إطار قانوني واضح يحمي الضحايا من هذه الممارسات، خاصة أن المغرب لم يصادق بعد على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 حول القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل.

إن غياب هذه الحماية القانونية يترك فراغًا يسمح باستمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة، مما يضاعف الضغوط النفسية التي يتعرض لها الموظفون، ويدفع البعض إلى الانسحاب من العمل أو الدخول في حالات نفسية معقدة تتطلب تدخلاً متخصصًا.

إن استمرار هذه الممارسات في ظل غياب حماية قانونية فعالة لا يفاقم فقط معاناة الضحايا، بل يخلق بيئة عمل غير آمنة تسهم في تفشي المشكلات النفسية. فكيف يمكن مواجهة هذه الأزمة وضمان بيئة عمل أكثر صحة وإنصافًا؟

كيف نواجه الأزمة؟

تسلط هذه الحوادث الضوء على الحاجة الملحة إلى تطوير سياسة عمومية واضحة في مجال الصحة النفسية، حيث لا تزال هذه الأمراض محاطة بالكثير من التابوهات الاجتماعية. فالمؤسسات الصحية تحتاج إلى مزيد من الموارد والخدمات الملائمة لدعم المرضى النفسيين، كما أن العلاج النفسي يجب أن يكون متاحًا للجميع دون عوائق مادية.

في بيئة العمل، يمكن اتخاذ خطوات ملموسة لتحسين الصحة النفسية، مثل تعزيز ثقافة الحوار داخل المؤسسات، توفير آليات الدعم النفسي، والتصدي لظاهرة التحرش المعنوي عبر إرساء قوانين واضحة وآليات فعالة للإبلاغ والحماية. إن المصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 خطوة ضرورية لتعزيز بيئة عمل آمنة وعادلة.

لكن هذه الخطوات ضرورية على مستوى بيئات العمل، لكنها تظل جزءًا من رؤية أشمل يجب أن تتبناها السياسات العمومية. فالتعامل مع الصحة النفسية لا يمكن أن يكون مجرد إجراءات جزئية، بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار جميع الأبعاد الصحية والاجتماعية.

نحو رؤية شاملة ومستدامة

إن التعامل مع الصحة النفسية يجب أن يكون أولوية وطنية، عبر توفير خدمات نفسية مجانية ومتكاملة، وتحسين التوعية المجتمعية لتخفيف الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي.

فالتجارب الصعبة التي عاشها نشطاء مثل بنجبلي والخليفي، كما يعانيها يوميًا العديد من النقابيين والموظفين، تؤكد أن المرض النفسي ليس مجرد حالة فردية، بل هو انعكاس لأزمة مجتمعية أعمق تستدعي تحركًا عاجلًا على المستوى السياسي والمؤسساتي.

إدماج الصحة النفسية ضمن استراتيجيات التنمية الوطنية لا يعد فقط ضرورة صحية، بل مسؤولية جماعية تجاه فئات كبيرة من المجتمع تعاني بصمت. إن الحل يكمن في بناء مقاربة شاملة تعتمد على التوعية، الدعم، والإصلاحات المؤسسية، لضمان بيئة أكثر استقرارًا نفسيًا وإنسانيًا للجميع.