الشيخ الكامل محمد بن عيسى، الصوفي ورجل الأعمال في منظور جديد
14 مارس 2026
د. أسامة بن هامل
رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الصوفية. طرابلس
لا تزال شخصية الشيخ الكامل محمد بن عيسى (ت 933هـ)، مؤسس المدرسة العيساوية أهم أصول الشاذلية، تُختزل في الذهنية السائدة في صورة صوفي كرس حياته في زاويته للعبادة المنعزلة عن المجتمع، صوفي بالمعنى الدارج للتصوف كونه زهدا وابتعادا عن ترف الدنيا، غير أن قراءة متأنية لسيرته العطرة تكشف وجها آخر كان عاملا أساسيا في مشروع إصلاحي أطلقه منذ العقد الثاني من القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وعم مختلف بلاد الإسلام مشرقا ومغربا، وأعني به الوجه الاقتصادي الذي تتجلى فيه ملامح “رجل أعمال” بنى ثروته بوعي وأدارها بحكمة ووظفها في تأسيس زاويته بمكناس معقل مدرسته العتيدة.
وُلد الشيخ الكامل سنة 872هـ بمدينة مكناس، في زمن مضطرب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، عانت فيه البلاد من تفكك السلطة السياسية وتكاثر المكوس والضرائب وتراجع الأمن وتهديدات الإسبان والبرتغال للسواحل المغربية، وفي هذه الظروف هاجر به والده إلى فاس ليلتحق بجامع القرويين، حيث تشكل علميا على يد كبار أقطاب المعرفة آنذاك، ثم عاد إلى مكناس ليصحب أستاذه ومربيه الشيخ عمر الحارثي (ت 905هـ)، وفي الوقت نفسه أسس مجلسه العلمي بالمسجد الكبير بمكناس، وخلال ذلك أتم رحلته المعرفية بالاتصال بأستاذه عبد العزيز التباع (ت 914هـ) ثم أستاذه محمد الصغير السهلي (ت 918هـ).
هذه التفاصيل في حياة الشيخ الكامل تكاد تكون راسخة في الأذهان قبل المدونات العيساوية، غير أن بعدا أساسيا في شخصيته ظل بعيدا عن الدرس والوعي، ففي ثنايا سيرته ما يشير إلى وعيه بأن الإصلاح لا يستقيم في بيئة جائعة أو خائفة أو منهكة اقتصاديا، وهو ما يعكسه إجماع المصادر العيساوية على أنه كان “من أثرياء عصره المعدودين”، وأنه كان من “ذو يسار وغنى ومال وفير وبساتين وغلال وماشية وعرض كبير ينفق منه على الدعوة إلى الله تعالى وأوجه الصلاح والإصلاح والزاوية والمريدين والفقراء واليتامى والمساكين والضيوف ويزيد أضعافا حتى أنه كان يستأجر من يحضر الذكر معه ويعطيه نقودا توسعة عليه وتأليفا لقلبه” (ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، الشيخ أحمد القطعاني).
وهو نص يفتح أفاقا واسعة لفهم بنيته الاقتصادية من خلال ما يحمله من ملامح لمنظومة ثراء متكاملة العناصر، فكونه من أثرياء عصره المعدودين يعكس أنه كان ضمن طبقة مالية معروفة وظاهرة للعيان ومتداولة بين الناس، وكونه من ذي ذو اليسار والغنى والمال وفير يعني أنه كان يتوفر على النقد والأموال السائلة لا أملاك جامدة فقط، حتى أنه كان “يستأجر من يحضر الذكر معه ويعطيه نقودا توسعة عليه وتأليفا لقلبه”. أما امتلاكه “بساتين وغلال وماشية وعرض كبير” فيقدم صورة دقيقة عن طبيعة ثروته، فهي أصول زراعية منتجة ومحاصيل موسمية وثروة حيوانية، إضافة إلى “العَرض الكبير” الذي يدل على الممتلكات المنقولة وربما المتاجر وما يدخل في باب المتاع والسلع.
لابد من الانتباه إلى أن امتلاكه للبساتين، يعني تفكيره في الاستثمار طويل الأجل في الأشجار المثمرة والدورات الزراعية الموسمية، كما أن امتلاكه للماشية يعني حرصه على توفر رأس المال المتحرك القابل للزيادة من خلال التوالد. ولا نغالي إن قلنا إنه – بالتعبير الاقتصادي المعاصر – (أنه كان رجلا يدير محفظة أصول متنوعة تتوزع بين الأرض والنتاج الحيواني والأصول الثابتة والمتحركة التي تسمح له بالإنفاق في أوجه الدعوة والإصلاح من خلال زاويته في مكناس على الفقراء واليتامى والمساكين والضيوف.
وتذكر المصادر أن الشيخ الكامل أوقف من أمواله أحباسا دائمة لزاويته التي أسسها سنة 917هـ، ولا ريب أن هذه الأحباس تحتاج شبكة من العمال والفلاحين، وعلى صلة بمواسم الزرع والحصاد والدواب والأدوات ومخازن الحبوب وأسواق لتصريف المنتجات، إلا يجعلنا هذا نقف أمام شخصية تدرك جيدا معنى الإدارة والاستثمار وحسابات السوق والربح والخسارة والقدرة على التخطيط طويل الأمد، وكل هذا يصب في أنه امتلك رؤية اقتصادية مدروسة تضمن استدامة الموارد وتحفظ لزاويته استقلالها وسط تقلبات السياسة وصراعات المجتمع وتهديدات الغزاة.
لكن اللافت والمهم عند دراسة هذا البعد في شخصية الشيخ الكامل، وهو أن هذا الثراء لم يكن موروثا من أسرته؛ فقد فقد والده وأكثر إخوته في سياق الجهاد ضد البرتغاليين، ولم تذكر المصادر أن أسرته تركت له شيئا كما أنها لم تكن من ذوي اليسار، وهو معطى هام يضعنا أمام شخصية بنت رأسمالها بنفسها. وحتى علاقته الصوفية الخاصة تحمل صدى واضحا لمعطيات الاقتصاد، فقد روت المصادر أن أستاذه عبد العزيز التباع قال له، حين وفد عليه قادما من أستاذه الأول الحارثي: “اسمع مني يا بني إن أخي الشيخ سيدي أحمد الحارثي قد صفى درهمك ولم يطبعه لك وغير المطبوع في السوق لا يجوز فها أنا قد طبعته لك بإذن الله تعالى”، وهي عبارة وإن كانت تعني في سياقها الصوفي اكتمال الحال في السلوك والتربية، إلا أن استخدام مفردات الدرهم والطبع، والطبع يعني سك العمل، يحيل إلى عالم النقود والأموال المتداولة وقتها، وتعكس معرفة بالنظام النقدي وحركة المال.
ومن الشواهد الدالة على عمق حضوره الاقتصادي أن بعض تلاميذه، كالشيخ يوسف الدريدي والشيخ موسى بن يعقوب، كانوا يعرفون بلقب “حارس البستان”، أي حارس بستان الشيخ الكامل، والحراسة وظيفة تعني وجود منتج زراعي ذي قيمة يستدعي الحماية، فالبستان يستلزم فلاحة وسقيا وتنظيما للعمال، ثم يأتي عنصر الحراسة صونا للثمرة من اعتداء أو سرقة، في وعي جلي بقيمة الأمن كعامل لاستقرار الاقتصاد، وهو ما يتجلى على نحو أوضح أكثر في ذهنيته كرجل أعمال يفهم جيدا أن حماية الأصول مقدمة على الأرباح، عندما أسس جماعة “أقمار الليل” وهم مجموعة من مريديه كانوا يجوبون شوارع مكناس بالقناديل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر لحفظ الأمن في زمن كثرت فيه حوادث النهب وقطع الطريق، ما يعني استثمارا في الاستقرار الاجتماعي بما ينعكس أثره على النشاط الاقتصادي العام.
كثيرة هي المعلومات التي تكشف عن بعد الاقتصاد في شخصية الشيخ الكامل، بل تجعله من كبار أعلام الإصلاح في كل تاريخ الإسلام وعيا بأهمية الاقتصاد والمال، ولم يقتصر الأمر على تحويل الزاوية إلى مركز يثبت قيم الاستقرار للاقتصاد، بل شملت عنايته البلاد، فعندما طلب منه الوالي الوطاسي الأمير محمد بن أحمد مغادرة مكناس، بسبب مخاوفه من تنامي نفوذ الزاوية وإقبال الناس عليها، غادرها، ثم جرت وساطة بينه وبين الوالي ليعود إلى مكناس، لكنه اشترط لعودته إعفاء أهل مكناس من المكوس والكلف المخزنية، بما يكشف عن وعيه العميق بأثر الضرائب الجائرة على الإنتاج والاستقرار، والانعكاس السلبي للجباية على التنمية والسكينة الاجتماعية.
فقد توجه طلبه نحو حماية جماعته من أعباء مالية تثقل كاهلهم، وهو إدراك للعلاقة بين الجباية والتنمية، وبين العدالة المالية والسكينة الاجتماعية، حتى أن المصادر المغربية لفتت إلى أن مكناس في أواخر القرن العاشر الهجري وما بعده صار فيها ازدهار زراعي واقتصادي، ولا ريب، فالزاوية صارت منذ عهده مقصدا لتجار فاس كما تروي المصادر.
ومن الأحداث التي يجب التوقف عندها في سيرة الشيخ الكامل، أن أحد ولاة السودان الغربي أرسل إلى الشيخ الكامل 24 رقيقا لإعانته في زاويته، وهي واقعة لها أهميتها الخاصة التي تشير إلى ارتباط الزاوية، ومكناس في عهد الشيخ الكامل، بالسودان الغربي عبر مسالك التجارة النشطة التي تمر بسجلماسة وتافيلالت بكل ما تنقله من تجارة، والرقيق في ذلك العصر كانوا يمثلون رأس مال اقتصاديا حقيقيا؛ إذ يُستخدمون في الزراعة والخدمة والرعي، أو يُعتقون ويُدمجون في النسيج الاجتماعي، فقد شكل هذا العدد من الرقيق موردا إنتاجيا مباشرا يرفد البساتين والمزارع والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالزاوية.
كل ذلك مما يستدعي فتح الأفاق وأن ينكب رجال الطريقة العيساوية اليوم للتأسي بالأمس، فالشيخ الكامل مركز الطريقة، وحتى يتأتى ذلك لابد من قراءة كل ما يتصل بهذا الرافد التأسيسي، رجل يبني ثروة ويمتلك بساتين وضياع يعني أنه ملم بأصول التجارة والاقتصاد والأسواق والبيع والشراء والإنتاج، رجل وينشئ الأوقاف يعني أنه لم يكن منقطعا عن المجتمع ومشكلاته وأزماته ويدرك أهمية استمرار المؤسسة من بعده. أن يبلغ صدى الزاوية إلى السودان الغربي يعني أنها دخلت المجالات الإقليمية وصارت معروفة للنخب السياسية، فكيف وصلت إن لم يكن لديه دعاة ومريدون في تلك الأنحاء وغيرها، ما يعني وعيه بأهمية إنشاء قنوات الاتصال، كما أن إرسال ولاة السودان الغربي لهذا العدد من الرقيق يعني اعتراف رسميا بمكانة الزاوية، فالهدايا في الثقافة السياسية في تلك العصور كانت لغة دبلوماسية تعبر عن التقدير والارتباط.
وتبدأ الرحلة الجديدة الطويلة صحبة الشيخ الكامل من هذا المقال.
التعليقات