الشيخ العلامة الدكتور عبدالهادي حميتو : إمام القراءات ومؤرّخ المصحف وخادم الذكر الحكيم
د. حمزة مولخنيف
ليس رحيلُ العلماء حدثا عابرا في روزنامة الأيام ولا خبرا يُتداول ثم يُطوى، بل هو في جوهره العميق تصدّعٌ رمزيٌّ في ذاكرة الأمة واهتزازٌ في ميزان المعنى وانكسارٌ خفيٌّ في ذلك السقف المعنوي الذي كانت الأرواح تستظلّ به من خفّة العابرين وضجيج المتصدرين. وليس من اليسير أن يُكتب عن العلماء الكبار بعد رحيلهم؛ لا لأن اللغة تعجز عن الوفاء بحقّهم فحسب، بل لأن الفقد في مثل هذه المقامات يتجاوز حدود العاطفة العابرة إلى ما هو أعمق وأشدّ أثرا، فقدُ نموذجٍ من نماذج الرسوخ وانطفاءُ صورةٍ من صور الهيبة العلمية وانكسارُ حلقةٍ من حلقات الاتصال الحيّ بين العلم وأخلاقه.
فالعالم الحقّ لا يُختزل في اسمه ولا في مصنفاته ولا في مناصبه، وإنما يُقاس بما يتركه من أثرٍ في الوعي وبما يغرسه في النفوس من معنى وبما يورّثه للأجيال من أدبٍ في التلقي وصرامةٍ في النظر ووفاءٍ للمعرفة حين تُؤدَّى على وجهها.
ومن هذا القبيل يُقرأ رحيل الشيخ العلامة الدكتور عبد الهادي حميتو رحمه الله؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد فقدان علامة موسوعي أو أستاذٍ مرموق، وإنما يتعلق بفقدان واحدٍ من الوجوه العلمية المغربية الوازنة التي اقترنت في الذاكرة المعاصرة بخدمة القرآن الكريم وعلومه، وبالاشتغال الرصين على القراءات وبالعناية الدقيقة بتاريخ المصحف الشريف ومسالك تلقيه وتوثيقه.
لقد كان رحمه الله من ذلك الصنف النادر من العلماء الذين لا يستمدّون مقامهم من ضجيج الحضور ولا من وفرة الظهور ولا من صناعة الصورة، بل من ثقل الرسوخ و من جلال الخدمة وصدق الانتماء إلى العلم بما هو تكليفٌ وأمانةٌ قبل أن يكون تخصصا أو مكانةً. ولعلّ القيمة الكبرى في الحديث عن هذا الرجل لا تكمن في مجرد تعداد مناقبه ولا في استعادة محطات سيرته على نحوٍ وصفيٍّ جامد، بل في محاولة استجلاء المعنى العلمي والإنساني الذي مثّله في ساحة الدرس القرآني المغربي؛ ذلك أن بعض الرجال لا يكون حضورهم العلمي مجرد إضافةٍ كمية إلى المكتبة، بل يكون ترسيخا لصورة العالم كما ينبغي أن تكون، عالم يجمع بين التكوين الأصيل والتحرير المنهجي وبين وفاء السند ودقة التحقيق والتواضع الشخصي والصرامة المعرفية.
إن الكتابة عنه ليست تأبينا عابرا بقدر ما هي استعادةٌ لنموذجٍ معرفيٍّ وأخلاقيٍّ تشتد الحاجة إليه في زمنٍ اختلطت فيه المقامات وكثر فيه المتكلمون وقل فيه أهل الرسوخ.
إن الدكتور عبد الهادي حميتو رحمه الله ينتمي إلى طائفة العلماء الذين لا يُقرأ أثرهم في حدود ما ألّفوا فقط، وإنما يُقرأ كذلك في الطريقة التي خدموا بها العلم وفي الهيئة التي حملوه بها وفي الأثر الذي تركوه في تلامذتهم وقرّائهم وعموم المشتغلين بحقولهم.
وقد كان في هذا كله مثالا للعالم الذي لم يجعل من علمه بابا إلى الوجاهة، بل جعله بابا إلى مزيدٍ من التواضع، ولم يتعامل مع تخصصه بوصفه رأسمالا رمزيا، بل بوصفه عهدا ثقيلا في خدمة كتاب الله يقتضي الإتقان ويستوجب التحفّظ ويمنع الاستسهال ويؤسس لعلاقةٍ من نوعٍ خاص بين الباحث والنص القرآني قوامها الإجلال المنهجي لا الحماسة الخطابية وحدها.
وعلى هذا الأساس، فإن هذه الأسطر لا نروم من خلالها أن ننسج رثاءً إنشائيا يذوب في العاطفة، ولا أن نكتفي بترجمةٍ باردة تُفرّق أوصال السيرة في عناوين جافة، وإنما نقصد تقديم صورةٍ مركّبةٍ لهذا العالِم الجليل، من خلال الوقوف عند بعض معالم سيرته وإبراز مكانته العلمية في خدمة القرآن الكريم وعلومه، والتنبيه إلى ما مثّله إنسانيا وأخلاقيا من وقار العالم وأدب الخادم الأمين للمصحف الشريف.
فمثل هذه الأسماء لا ينبغي أن تُذكر لمجرد الوفاء الوجداني وإن كان الوفاء لازما، بل تُذكر أيضا لتبقى شواهد حيّة على إمكان الرسوخ، وعلى أن المغرب العلمي ما يزال قادرا على أن يُنبت من رجاله من يجمع بين الأصالة والتحقيق، وبين الانتماء للتراث والقدرة على خدمته بأدوات العصر دون تفريطٍ في الهيبة ولا خفّةٍ في المنهج.
وليس من الإنصاف أن تُكتب سيرة هذا الرجل بلغة التأبين وحدها، كما لا يليق أن تُختزل في جفاف الترجمة المدرسية. فالرجل يحتاج إلى قراءةٍ تتوازن فيها حرارة الوفاء وبرودة المنهج؛ قراءة لا تُغرقه في الإنشاء ولا تجفّفه في الفهرسة بل تُعيد تقديمه كما يليق بعالمٍ خدم القرآن حتى صار أثره جزءا من هيبة هذا العلم.
إن هذه الكلمات لا تروم صناعة مجدٍ بالعبارة، لأن أمثال هؤلاء لا يحتاجون إلى زخرف الإنشاء، وإنما تروم إبراز صورة العالم المغربي الأصيل الذي حمل العلم وقارا قبل أن يحمله تخصصا، وحمله ديانةً قبل أن يحمله وظيفةً.
إن قيمة العلامة عبد الهادي حميتو لا تكمن فقط في مصنفاته ولا في دروسه ولا في مناصبه العلمية، وإنما في تلك الصورة النادرة للعالم الذي كان يرى في خدمة القرآن ضربا من العبادة العقلية والروحية معا؛ خدمة لا تُنجزها الحماسة العابرة، بل يُنجزها الصبر الطويل والدقة الشاقة والهيبة من الخطأ والوفاء للنص وحسّ الأمانة أمام الحرف القرآني رسما وضبطا وأداءً وتاريخا.
ولذلك فإن الحديث عنه هو حديثٌ عن شخصه نعم، ولكنه أيضا حديثٌ عن نموذج ينبغي أن يُستعاد في زمنٍ كثرت فيه الأسماء وقلّت فيه المقامات.
سيرة موجزة: من الرحاحلة إلى أفق الرسوخ
ينتمي العلامة الدكتور عبد الهادي حميتو البكري التامري الحاحي إلى ذلك المغرب العميق الذي لم تصنعه الحواضر وحدها، بل شاركت في بنائه العلمي والروحي ربوعٌ بعيدةٌ وبيئاتٌ قرويةٌ صامتة وكتاتيبُ متواضعة وحلقاتُ تلقٍّ لا تملك ضجيج المؤسسات الكبرى، ولكنها كانت تملك جوهر التربية وصفاء القصد وحرارة السند.
ومن هذه البيئات الأصيلة خرجت شخصيات علمية كان قوامها الحفظ والأدب والانضباط والاتصال المبكر بالقرآن الكريم، وكان الشيخ عبد الهادي حميتو واحدا من أنصع ثمارها.
إن النشأة في مثل هذا الوسط ليست مجرد خلفية جغرافية في سيرة عالم، بل هي بنية تكوينية لها أثرها الحاسم في صناعة الشخصية العلمية. فالقرآن في هذه البيئات لا يُتعامل معه بوصفه مادةً دراسية، بل بوصفه أصل التكوين ومركز الهوية ومحور التربية.
يبدأ الطفل من اللوح قبل أن يبدأ من الدفتر ومن صوت الفقيه قبل أن يبدأ من قاعة الدرس الحديثة، ومن رهبة الحرف قبل أن يبدأ من تقنيات التحليل. وهكذا تتكوّن علاقةٌ عضويةٌ بالنصّ القرآني؛ علاقةٌ ليست معرفيةً فحسب، بل وجدانيةٌ وأخلاقيةٌ ووجوديةٌ في آنٍ واحد.
في هذا المناخ تفتّحت البدايات الأولى لسيدي عبد الهادي حميتو، فكان اتصاله بالقرآن اتصالا مبكرا أصيلا عميقا، لا يجيء لاحقا كتخصصٍ اختياري، بل يتشكّل معه الوعي نفسه. وهذا أمرٌ بالغ الدلالة؛ لأن كثيرا من التخصصات العلمية اللاحقة تكون عند أصحابها مجرّد اختيار أكاديمي، بينما كانت علوم القرآن والقراءات عنده امتدادا طبيعيا لتكوينه الأول، كأن الرجل لم “يدخل” إلى هذا العلم من الخارج بل خرج منه من الداخل.
ثم تدرّج في مسالك الطلب على الطريقة التي تُنتج العلماء لا المتعجلين، حفظا وتلقيا ومجالسةً وتدرجا ومرانا على الصبر. وقد كان واضحا أن تكوينه لم يقم على الاستهلاك المعرفي بل على الترسّخ؛ أي على بناء أدوات الفهم قبل التوسع في المعلومات وعلى إحكام الأصول قبل استعراض الفروع وعلى التدرّب على الهيبة من العلم قبل الجرأة عليه. ومن هنا نفهم لماذا ظهر لاحقا في صورة العالم الذي لا يتكلم في علوم القرآن والقراءات بمنطق الانطباع، بل بمنطق التحرير والتثبت.
وإذا كانت بعض السير العلمية تُبنى على القفز السريع من المحطة الأولى إلى محطة الشهرة، فإن سيرة سيدي عبد الهادي حميتو كانت من ذلك الصنف النبيل الذي يَصعَد سُلَّم الرسوخ درجةً درجة. لقد انتقل من التكوين الأول إلى التحصيل الأعلى انتقالا طبيعيا منسجما مع منطق العلم نفسه، لا مع منطق السوق الثقافي. ولذلك لم يكن وصوله إلى موقع التخصص في القراءات وعلوم المصحف انتقالا شكليا، بل كان تتويجا لمسارٍ طويلٍ من التراكم الصامت.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية في شخصيته، أنه لم يكن من أولئك الذين يكتفون بحفظ الموروث ثم يعيدون تكراره ولا من أولئك الذين يقطعون مع الموروث باسم الحداثة المنهجية. لقد كان ابنا وفيا للتقليد العلمي المغربي، لكنه وفاءٌ عاقلٌ محقِّق، لا وفاءٌ جامدٌ مقلِّد.
ومن ثمّ استطاع أن يُزاوج بين صرامة التكوين العتيق ودقة الأدوات الأكاديمية الحديثة، فيخرج بصورة العالم الذي يحفظ السند ويُحسن الفهرسة ويعرف الرواية ويُتقن التحقيق ويحترم التراث ويملك في الوقت نفسه القدرة على مساءلته وترتيبه وتحريره.
إن هذه السيرة الموجزة حين تُقرأ في ضوء البيئة والمنهج والتدرج، تكشف أن سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله لم يكن حادثةً علميةً منفصلة عن شروطها، بل كان ثمرةً ناضجةً لتلك السلسلة الطويلة التي تربط القرآن بالتربية، والتربية بالأدب، والأدب بالعلم، والعلم بالخدمة. ولذلك فإن فهم الرجل يبدأ من فهم هذا الأصل، أنه تكوّن في مدرسةٍ ترى العلم عبادة لا مهنة؛ ورسالة لا واجهة.
البعد العلمي: حين تتحول خدمة القرآن إلى مشروع عمر
إذا كانت القيمة الحقيقية للعالم تُقاس بما يتركه من أثرٍ في بنية المعرفة لا بما يخلّفه من صدىً في الذاكرة العابرة، فإن سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله يدخل في زمرة أولئك الذين تحوّل العلم عندهم من تخصّصٍ إلى مشروع عمر.
لقد اختار ميدانه بدقة، القرآن الكريم وعلومه والقراءات والمصحف الشريف وما يتصل بذلك من تاريخ النصّ القرآني وضبطه ورسمه وتلقيه ومسارات خدمته في التراث الإسلامي عامةً والمغربي خاصةً. وهذا الاختيار ليس بسيطا؛ لأن هذا المجال من أشدّ المجالات حاجةً إلى الأمانة وأثقلها مسؤولية وأدقّها مسلكا.
إن علوم القرآن والقراءات ليست حقلاً يسمح بالتسرّع ولا يقبل المزاجية ولا يتسامح مع التهويل. إنها علومٌ يتجاور فيها السند والتاريخ والنقل والتحقيق واللغة والرسم والرواية والمنهج.
ومن يشتغل فيها لا بد أن يكون مزودا بقدرٍ كبيرٍ من الانضباط وحسٍّ عالٍ بالاحتياط العلمي وخبرةٍ بالمصادر وقدرةٍ على الموازنة بين الروايات والمعطيات. وهذه كلها خصال ظهرت في شخصية سيدي عبد الهادي حميتو بجلاء.
لقد تميّز عمله العلمي فيما يبدو من آثاره وموقعه في ساحة الدرس القرآني، بخصيصةٍ منهجية نادرة، تحويل الهيبة من النصّ إلى دقةٍ في خدمته. فليس كل من يجلّ القرآن يحسن خدمته علميا، لأن الإجلال العاطفي شيء والوفاء المنهجي شيء آخر. أما هو فقد جمع بين الأمرين، بين التوقير الوجداني والدقة التحريرية.
ولذلك لم يكن اشتغاله على المصحف وعلومه اشتغالا إنشائيا أو احتفاليا، بل اشتغالا قائما على فقه التفاصيل والقدرة على التمييز والوعي بخصوصية كل مسألة في سياقها التاريخي والعلمي.
إن سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله لم يكن مجرّد باحث في القراءات، بل كان مؤرخا للذاكرة القرآنية في أحد أكثر وجوهها حساسيةً وتعقيدا. فالتعامل مع المصحف الشريف وتاريخه ورسمه ومسارات نقله ليس مجرد جمع معلومات، بل هو استحضارٌ لمجموع التقاليد العلمية التي حفظت النصّ عبر العصور. وهنا يظهر وزن الرجل؛ لأنه تعامل مع هذا الإرث لا بعين المتفرج بل بعين الخادم الأمين الذي يعرف أن الخطأ هنا ليس خطأً في معلومة عابرة، بل خطأٌ في موضعٍ من مواضع الثقة المعرفية الكبرى.
كما أن شخصيته العلمية القوية تُفهم أيضا من خلال نزوعه إلى الإتقان لا إلى الاستعراض. لقد كان من ذلك الصنف الذي يقدّم العمل المحرّر على الحضور الإعلامي، والدرس المتين على العبارة اللامعة والإنجاز الصامت على الشهرة السريعة.
وهذه سمة بالغة الأهمية؛ لأنها تضعه ضمن تقليد العلماء الذين يشتغلون في العمق لا في السطح؛ في البنية لا في الواجهة. ومثل هؤلاء غالبا ما يكون أثرهم أبقى من أثر كثير من المتصدرين، لأنهم يشتغلون في مواضع التأسيس لا في مناطق الضجيج.
ثم إن قيمة الرجل العلمية لا تنحصر في مادته التخصصية وحدها، بل تمتد إلى الطريقة التي مثّل بها العالم المتخصص. لقد قدّم نموذجا نادرا للباحث الذي لا يُفرّط في التواضع كلما ازداد رسوخا، ولا يُحوّل التخصص إلى سلطة رمزية على الآخرين، بل إلى خدمةٍ للمجال وإسناد للطلبة وإغناء للمكتبة وإحياء لسلاسل العناية المغربية بالقرآن. وهذا في ذاته بعدٌ منهجي وأخلاقي معا؛ لأن العلم في حقيقته ليس ما يعرفه الإنسان فقط، بل ما يصير إليه هذا العلم في سلوكه وأدبه وطريقة حضوره.
إن الحديث عن سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله باعتباره “إماما في القراءات” أو “مؤرخا للمصحف” لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد ثناءٍ تقليدي، بل هو وصفٌ لحقيقةٍ علمية تتجلى في طبيعة اختياره المعرفي وفي صرامة تعامله مع المادة وفي نوعية الموقع الذي شغله داخل خريطة خدمة القرآن. لقد كان من أولئك الذين يعيدون إلى التخصص معناه الشريف، أن يكون العالم أمينا على الحقل لا مستثمرا له.
وإذا أضفنا إلى ذلك بعده المغربي الخاص، اتضح أن قيمته تتضاعف. فالرجل لا يمثّل نفسه فحسب بل يمثّل وجها من وجوه المدرسة المغربية في علوم القرآن؛ تلك المدرسة التي راكمت عبر قرونٍ خبرةً رفيعةً في الرواية والرسم والضبط والأداء والإقراء والتوثيق. وكان حضوره بهذا المعنى نوعا من استمرار السلسلة، لا مجرد اجتهاد فردي معزول. فهو يربط بين الذاكرة العلمية المحلية والأفق الإسلامي الأوسع، ويُظهر أن المغرب لم يكن على هامش خدمة القرآن بل كان أحد أوعيته الحية.
إن البعد العلمي في سيرة سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله لا يُختزل إذاً في تعداد أعماله وإن كان ذلك مهما، بل يتجلى في كونه جعل من خدمة القرآن صورةً من صور الوجود العلمي الكامل: تخصصا وتحقيقا وتعليما وتوريثا للهيبة وحراسةً للنص وتثبيتا لقيمة الإتقان في زمنٍ يميل إلى التخفف من أثقال المعرفة. وهذا هو جوهر الرسوخ الحقيقي.
البعد الإنساني: العالم الذي حمل العلم وقارا قبل أن يحمله عنوانا
كثيرٌ من العلماء يُعرفون من خلال مؤلفاتهم، وقليلٌ منهم يُعرفون أيضا من خلال الهيئة التي حملوا بها العلم. وهذه الثانية أعمق أثرا وأبقى حضورا؛ لأن الكتاب قد يُقرأ ثم يُنسى، أما المثال الإنساني فيبقى في ذاكرة من عرفوا الرجل أو جاوروه أو أخذوا عنه أو حتى تأملوا طريقته في الوجود العلمي.
من هذا الصنف كان سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله. فقد بدا في صورته العامة واحدا من أولئك الذين لا يفصلون بين المعرفة والأدب ولا بين الرسوخ والتواضع ولا بين التخصص والسكينة. لم يكن العلم عنده مجرد رصيدٍ معرفي بل كان وقارا داخليا وهيئةً نفسيةً وأخلاقيةً تظهر في طريقة القول وطريقة الصمت وطريقة التعامل مع النصّ والناس معا. وهذه خصلة نادرة لأن كثيرا من الناس يملكون المعلومات، ولكن قليلا منهم يملكون “أدب العلم”.
لقد كان يمثّل في الوجدان العلمي المغربي صورةً من صور العالم الذي ينتمي إلى زمنٍ آخر في صرامته؛ زمن كان فيه العلم يُؤخذ بالصبر قبل الشهرة وبالأدب قبل التصدر وبالمعاناة قبل الظهور. ولذلك كان حضوره في ساحة المعرفة حضورا هادئا لكنّه ثقيل الوزن، لا يقوم على صناعة الصورة بل على ثقل المضمون. ومثل هذا الحضور لا يلتفت إليه عادةً أهل الضجيج لكنه يبقى في ميزان الحقيقة أثبت من كثيرٍ من الأسماء اللامعة.
والبعد الإنساني في شخصيته رحمه الله يتجلى كذلك في نزاهته من الاستعراض. لقد كان من العلماء الذين يخدمون العلم لأنهم يرون فيه حقا يجب أن يُؤدّى، لا فرصةً وجب أن تُستثمر. وهذه النقطة بالغة الأهمية في فهم شخصيته؛ لأن من يشتغل في علوم القرآن تحديدا إن لم يكن مأخوذا بمعنى الأمانة انقلب التخصص عنده إلى مجرد تقنية. أما هو فكان يحمل في طريقته ما يدلّ على أن العلم عنده عبادةٌ أيضا لا مجرد حرفة ذهنية.
ثم إن الأثر الإنساني لأي عالم لا يُقاس بما كتبه فقط، بل بما أورثه في تلامذته والباحثين عنه من حسّ المهابة. ويبدو أن سيدي عبد الهادي حميتو كان من أولئك الذين يعلّمون الناس قبل المعلومة كيف يقتربون من العلم. وهذه منزلة تربوية عالية؛ لأن أعظم الأساتيذ ليسوا فقط من يضيفون إلى عقول طلبتهم معارف جديدة، بل من يغيّرون علاقتهم بالمعرفة نفسها، فيجعلونها أكثر احتراما وأشدّ انضباطا وأبعد عن الاستسهال.
ولعلّ من أجمل ما يُقرأ في سير العلماء الكبار أنهم لا يخلّفون بعدهم فراغا إداريا أو وظيفيا فقط، بل يخلّفون فراغا في الطمأنينة. يشعر الناس بعد رحيلهم أن شيئا من الثقة قد انزاح وأن حضورا كان يسند المشهد قد غاب. وهذا ما ينطبق على أمثال سيدي عبد الهادي حميتو؛ فالرجل لم يكن مجرد اسم في مؤسسات، بل كان صورةً من صور الاتزان العلمي ومِعيارا ضمنيا من معايير الجدية والرسوخ.
إن البعد الإنساني في سيرته ليس ملحقا على البعد العلمي، بل هو أحد مفاتيح فهمه. لأن العالم الحقّ ليس من جمع المعلومات فقط بل من تحوّل هو نفسه إلى أخلاقٍ للعلم. وهذا ما يجعل بعض الرجال بعد رحيلهم أكبر من تراجمهم وأوسع من كتبهم وأبقى من آثارهم المكتوبة. إنهم يتركون في النفوس مثالا والمثال أعسرُ من أن يُعوَّض.
ليس الغرض من الكتابة عن الشيخ العلامة الدكتور سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله أن نضيف اسما آخر إلى سجلّ المترجَم لهم ولا أن نُجيد صناعة الأسى في مناسبة الفقد، وإنما الغرض الأعمق هو أن نقرأ في هذه السيرة معنىً من معاني العالم المغربي الأصيل، ذلك العالم الذي تخرّج من رحم البيئات القرآنية وحمل العلم عبادةً وصعد في مدارج التخصص بصبرٍ ووقار، ثم أفنى عمره في خدمة كتاب الله دون أن يطلب من الخدمة جزاءً سوى أن تُؤدَّى على وجهها.
لقد كان سيدي عبد الهادي حميتو مثالا لرسوخٍ لا يحتاج إلى صخب ولمقامٍ لا يفتقر إلى زخرف العبارة. جمع بين وفاءٍ عميقٍ للتقليد العلمي المغربي وبين قدرةٍ على التمكّن من أدوات البحث والتحرير، فصار شاهدا على أن الأصالة الحقيقية لا تناقض الدقة المنهجية بل تؤسس لها. وفي زمنٍ صار فيه كثيرٌ من الحضور الثقافي قائما على سرعة الظهور يكتسب هذا النموذج قيمةً مضاعفة، لأنه يذكّرنا بأن العلم لا يزال في جوهره صبرا وأمانة وتواضعا وهيبةً من الخطأ.
إن رحيل أمثال سيدي عبد الهادي حميتو رحمه الله لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خسارةً عاطفيةً فحسب، بل بوصفه امتحانا أخلاقيا للأحياء: هل نستطيع أن نحفظ ما تركوه؟ هل نملك القدرة على صيانة مناهجهم لا مجرد ترديد أسمائهم؟ هل نكتفي بالرثاء أم نُحسن تحويل الوفاء إلى عملٍ علميٍّ وإلى وعيٍ نقديٍّ وإلى استئنافٍ أمين لما بدؤوه؟ تلك هي الأسئلة التي تمنح الكتابة عنهم معناها وتُخرجها من مجرّد التأبين إلى مستوى المسؤولية.
لقد رحل الجسد نعم؛ لكنّ بعض الرجال لا يرحلون من العالم إلا في الظاهر، لأنهم يكونون قد وزّعوا حضورهم على الكتب وعلى التلاميذ وعلى مجالس العلم وعلى طرائق الفهم والقيم التي يورثونها في صمت.
ويظل سيدي عبد الهادي حميتو في الذاكرة العلمية المغربية لا باعتباره اسما مضى، بل باعتباره أثرا مستمرا، أثرا في خدمة القرآن وأثرا في تمثيل العالم الوقور وأثرا في تذكيرنا بأن العلم الحقّ لا يُقاس بما يعلو بل بما يرسخ.
وإذا جاز لنا أن نلخّص مقام الرجل في عبارةٍ واحدة جاز لنا أن نقول: لقد خدم القرآن بعلمٍ أمين فصار هو نفسه جزءا من شرف هذه الخدمة. وذلك مقامٌ لا تناله العبارة مهما اجتهدت، وإنما تشهد له السيرة ويُثبتُه الأثر ويحفظه الوفاء.
____________________________
مراجع لترجمته:
-ألواح التيكوتي، محمد. إتحاف نبلاء الساحة بآثار فضلاء حاحة.
-التامري، إدبراهيم إبراهيم. المتعة والراحة في تراجم أعلام حاحة. الجزء 3، دار العرفان للطباعة والنشر، أكادير، الطبعة الأولى، 2025م ، الفصل السادس عشر : أسرة إد حميتو التامرية، ص.159-137
التعليقات