الشرف النبوي ومحبة العترة الطاهرة بوصفهما خصوصية مغربية وعنصر تلاحم بين العرش والشعب والطرق الصوفية
د. طارق بنكرعي أبو نور. باحث وإمام مغربي يقيم في فرنسا
تُعدّ محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصلًا شرعيًا ثابتًا، ومنقبةً دينيةً متفقًا عليها بين علماء الأمة، لا تختص بمذهب دون آخر، ولا تُحتكر من طائفة بعينها، بل هي أمرٌ إلهي وتوجيهٌ نبوي صريح. وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فجعل مودة القربى من أعظم دلائل الوفاء لرسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.
وقد عبّر الإمام الشافعي – رحمه الله – عن هذا المعنى تعبيرًا بليغًا، حين قال:
يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حبُّكمُ
فرضٌ من اللهِ في القرآنِ أنزله
يكفيكمُ من عظيمِ الفخرِ أنكمُ
من لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ له
وهذا الفهم لمكانة آل البيت ومودتهم هو ما استقر عليه فقهاء أهل السنة، وفي مقدمتهم الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، الذي عُرف بتعظيمه الشديد لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولآثار النبوة فيها، حتى كان – كما ثبت في كتب التراجم – لا يركب دابة في المدينة، ولا يمشي فيها إلا حافيًا إجلالًا لآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وقد نقل الإمام القاضي عياض السبتي اليحصبي (ت 544هـ) هذا المعنى في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى، في الفصل السابع من الباب المتعلق بإعزاز النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام كل ما اتصل به، فقال: «ومن إعظامه وإكباره، إعظام جميع أسبابه، وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة، ومعاهده، وما لمسه صلى الله عليه وسلم أو عُرف به».
ولا ريب أن أعظم الأسباب اتصالًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقربها إليه منزلةً، هم آله وعترته الطاهرة، وأن أبلغ دليل على صدق محبته وتعظيم شأنه هو محبة آله وأصحابه، وكل من اتصل به نسبًا أو اقتداءً، وورث نوره وسنته وسمته وخلقه.
الشرفاء بالمغرب: السياق التاريخي والروحي
تُجمِع المصادر التاريخية على أن أرض سجلماسة – الواقعة اليوم بمنطقة تافيلالت بالمملكة المغربية – عرفت في فترة من الفترات قحطًا شديدًا أصاب الناس في معاشهم وأقواتهم. فاجتمع أعيانها قبل موسم الحج، وخلص رأيهم إلى استقدام شريف من نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تبركًا به، ورجاءً في رفع البلاء، على ما جرت به سنن المسلمين في تعظيم آل البيت والتوسل بمحبتهم.
وقد ذكر المؤرخ أبو العباس الإفراني (ت 1150هـ) في كتابه نزحة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي أن أمير الركب المغربي آنذاك كان من أهل سجلماسة، ويُدعى أبا إبراهيم العمري الشرقاوي، وهو من ذرية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد التقى هذا الأمير الشريفَ مولاي قاسم بن محمد، أحد كبار شرفاء ينبع النخيل بالحجاز، المشهود له بالصلاح والديانة والوجاهة.
وينتهي نسب هذا الشريف إلى الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، عبر سلسلة نسبية محفوظة ومعروفة في كتب الأنساب تسمى “سلسلة الذهب”. فطلب منه أمير الركب أن يبعث معه أحد أبنائه إلى المغرب تكريمًا وتشريفًا لبلادهم، فظل يستميله ويُحسن له ذكر المغرب وأهله، حتى استجاب الشريف لطلب الوفد، وهو يستحضر ما عرفه التاريخ من إكرام المغاربة للإمام إدريس الأكبر، ومبايعتهم له، ونصرتهم إياه.
وقبل اتخاذ القرار، اختبر الشريف أبناءه واحدًا واحدًا، ليميز من هو أهل لهذه المهمة الجليلة. وقد نقل الإفراني قصة هذا الاختبار، حيث سأل أبناءه عن كيفية تعاملهم مع من أحسن إليهم ومن أساء، فلم يجد الجواب الذي يرضيه إلا عند ابنه مولاي الحسن، الذي قال: «أدفع الشر بالخير، ولا أزال أحسن إليه حتى يغلب إحساني إساءته». فاستبشر به والده، ودعا له بالبركة في نفسه وذريته، فاستجاب الله دعاءه.
وهذه القيم الرفيعة هي بعينها الأخلاق النبوية التي ربّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بيته وصحابته، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ . أخرج ابن الأعرابي في معجمه من رواية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اعْفُ عمَّنْ ظَلَمَكَ ، وصِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وأحسنْ إلى مَنْ أساءَ إليكَ ، وقُلْ الحقَّ ولَوْ على نفسِكَ.” و في رواية أخرى :”ألا أدلكم على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة؟ تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك”. رواه البيهقي وغيره..
الحسن الداخل وأثره في المغرب
وصل مولاي الحسن بن مولاي قاسم، المعروف بـ«الحسن الداخل»، إلى سجلماسة في عهد الدولة المرينية، حوالي سنة 664هـ / 1265م، واستقر بها إلى أن توفي سنة 676هـ / 1277م. وهو جد الشرفاء العلويين بالمملكة المغربية الشريفة صانها الله.
وتذكر المصادر ما ارتبط بقدومه من بركات وخيرات، إذ نزل الغيث بعد جفاف، وأخصبت الأرض، وازدهرت الزراعة، واشتهرت تمور المنطقة بجودتها، ولا تزال تُعرف إلى اليوم بـ«المجهول». كما استتب الأمن، وانتشر العدل، واطمأن الناس.
و أيقن أعيان البلد أن الله قد وفقهم في إحياء آثار الحبيب المصطفى عبر هته الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء، و التي لا تزال توتي أكلها كل حين بإذن ربها بالخير و البركات و إحياء السنة و إماتة البدعة.
وعند وفاته، تنازع أهل سجلماسة في موضع دفنه، حتى كادت الفتنة تقع، فاتفقوا على دفنه في موضع يتوسط الجهات كلها، ليكون رمزًا للوحدة والتآلف، وألا يُنسب إلى جهة دون أخرى.
الخاتمة
إن تعلق المغاربة بآل البيت النبوي الشريف هو في حقيقته تعبير صادق عن تعلقهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبآثاره وسنته. وقد ورد في الحديث الشريف، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» (رواه الحاكم في المستدرك وصححه).
ولا تزال مظاهر هذا الحب متجذرة في وجدان المغاربة، في مدنهم وبواديهم، مقرونة بتعظيم إمارة المؤمنين، والولاء للعرش العلوي الشريف، بما يمثله من امتداد تاريخي وروحي لآل البيت النبوي. وبذلك ظل المغرب، ولا يزال، بلدًا محفوظًا مباركًا، قائمًا على الوفاء لعهد المحبة والولاء لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
و لا نزال نرى في بلاد المغرب ثمار هذه الشجرة الزكية المباركة؛ من اعتناء أمير المومنين وحامي حمى الملة والدين بكتاب الله وبأهله، وبإحياء الدروس الحديثية والكراسي العلمية، وبإجلال العلماء وإكرامهم؛ وذلك إحياء لسنة الأجداد وامتدادا للنور النبوي. ولا زلنا كذلك نشهد تنمية مستمرة مستدامة في جميع مجالات الحياة مع الأمن والاطمئنان، وهو ما حرمت منه كثير من الدول.
حفظ الله البلاد، ملكها وشعبها، بما حفظ به ذكره الحكيم وبما حفظ به عترة حبيبه ونبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان تحت الظل الوارف للعرش العلوي الشريف.
التعليقات