السدل بين ثوابت المغرب وفقه الجماعة

27 فبراير 2026

الدكتور محمد بشاري
ليست مسألة السدل والقبض في الصلاة فرعًا عابرًا من فروع الخلاف، ولا جدلًا تقنيًّا بين طلاب العلم، بل هي مثال كاشف عن كيفية اشتغال الفقه في بيئةٍ لها ذاكرتها المذهبية وتراتيبها الجماعية، وعن الفارق بين فقهٍ متجذّر في سياقه التاريخي والاجتماعي، وبين ما يمكن أن يُسمّى بفقه الاستيراد، أي تنزيل اختيارات فقهية خارج سياقها المحلي دون اعتبارٍ لما جرى به العمل واستقر عليه التدين الجماعي.

السدل – بمعنى إرسال اليدين في القيام – هو المشهور المعتمد في المذهب المالكي، كما نصّ عليه خليل في مختصره بقوله: “وسدل يديه”، وشرحه الخرشي بقوله: “وهذا هو المشهور في المذهب”. وهو الذي نظمه ابن عاشر في مرشده بقوله: “وسدل يدٍ”، فصار جزءًا من المتن التعليمي الذي تشرّبه المغاربة جيلاً بعد جيل، مع قوله في العقيدة: “في عقد الأشعري وفقه مالك”، وفي السلوك: “وطريق الجنيد السالك”. فهذه الثلاثية ليست عبارات شعرية فحسب، بل هي هندسةُ هويةٍ دينية متكاملة: فقه مالكي، وعقيدة أشعرية، وسلوك جنيدي، يجمعها إطار الدولة المغربية منذ قرون.

من حيث التأصيل الحديثي، فإن أدلة القبض معروفة، وأشهرها حديث وائل بن حجر في وضع اليمنى على اليسرى. غير أن المالكية – ومنهم ابن عبد البر – قرروا أن الباب ليس فيه حديث تقوم به الحجة على وجه الانفراد، وأن المعتمد هو عمل أهل المدينة. قال ابن عبد البر في “التمهيد” (2/65): “لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القبض ولا في السدل حديث تقوم به الحجة، وإنما هو عمل أهل المدينة، وعليه جرى عمل مالك وأصحابه”. وهذا النص يكشف منهجًا أصوليًا عميقًا؛ إذ إن مالكًا قدّم العمل المتوارث في المدينة – وهو عنده في قوة النقل المستفيض – على خبر الآحاد إذا عارضه.

إن الاحتجاج بعمل أهل المدينة في هيئات الصلاة ليس من قبيل الترجيح الاعتباطي، بل لأن الصلاة عبادة ظاهرة متكررة، تنقل هيئاتها جيلاً عن جيل، وتُشاهد في المساجد ليلًا ونهارًا، فهي أقرب إلى التواتر العملي. ولذلك قال المالكية إن ما تواتر عملًا لا يُترك لخبرٍ محتمل الدلالة أو التأويل. ويستأنسون في ذلك بحديث المسيء صلاته، وحديث أبي حميد الساعدي في صفة الصلاة، حيث لم يرد فيهما ذكر القبض مع أنهما في مقام البيان والتعليم، وذكر فيهما من السنن والمستحبات ما هو أدق.

ومع ذلك، لم يُنكر المالكية أصل القبض، بل قرروه روايةً وتأويلًا. قال ابن عبد البر في “الكافي”: “ووضع اليمنى على اليسرى وإرسالهما كل ذلك سنة في الصلاة”. فالمسألة عندهم دائرة بين أصلٍ راجحٍ معتمد – هو السدل – وبين واردٍ ثابتٍ لا إنكار فيه – هو القبض. ولذلك قال عليش في فتاويه إن السدل ثابت في السنة، وأجمع الأئمة الأربعة على جوازه، واشتهر ذلك حتى صار كالمعلوم. فكيف يُجعل بعد هذا محلَّ تبديعٍ أو تخطئة؟

إن الإشكال لم يكن في الخلاف الفقهي ذاته، بل في تحويله إلى شعار مفاصلة بين سنة وبدعة، وولاء وبراء. وهنا يظهر الفرق بين فقهٍ يضبط الخلاف، وفقهٍ يُؤدلجه. فالمالكية – عبر القرون – لم يعرفوا إنكارًا للسدل إلا عند بعض المعاصرين المتأثرين بخطابٍ سلفيٍّ إقصائي، أراد أن يُعيد تشكيل المشهد التعبدي وفق قراءةٍ واحدة، متجاهلًا ما جرى به العمل في بلدٍ استقر فيه المذهب منذ أكثر من اثني عشر قرنًا.

وهنا يبرز مفهوم “ما جرى به العمل” الذي هو من خصوصيات المذهب المالكي. فليس كل راجحٍ في المدونات يُعمل به، بل قد يُترك المشهور أو الراجح لمصلحةٍ راجحةٍ أو لعملٍ مستقرٍّ، تحقيقًا لوحدة الجماعة وصيانةً للمساجد من الشقاق. وهذا ما نصّ عليه فقهاء المغرب في نوازلهم، معتبرين أن المحافظة على هيئةٍ جامعةٍ في الصلاة مقدّمةٌ على إظهار خلافٍ لا ثمرة له إلا النزاع.

ومن هذا المنطلق يُفهم تدخل الدولة – ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – في تنظيم ترتيبات المساجد، سواء في التزام رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، أو في اعتماد السدل في صلاة الجماعة. فليس ذلك نفيًا لبقية القراءات، ولا إلغاءً للقبض، بل هو التزامٌ إداريٌّ لمقصدٍ شرعيٍّ أعلى: حفظ الجماعة ومنع الفتنة. كما أن التزام رواية ورش لا يعني بطلان رواية حفص، فإن التزام السدل في مساجد الجماعة لا يعني تحريم القبض من حيث هو.

إن ما يمكن أن يُسمّى بفقه الاستيراد هو تنزيل اجتهاداتٍ خارج سياقها المحلي دون اعتبارٍ لخصوصية البيئة المذهبية والتاريخية. وليس المقصود رفض الاجتهاد، بل رفض القطيعة مع التراكم العلمي والعملي للأمة في قطرٍ بعينه. فالمغرب – منذ الدولة المرابطية – التزم المذهب المالكي، وعضده بالقضاء والتعليم، وجعل منه مرجعيةً جماعيةً. وهذا الالتزام لم يكن تعصّبًا، بل اختيارًا سياسيًّا وفقهيًّا لحماية الوحدة الدينية.

إن السدل، في هذا السياق، ليس مجرد هيئةٍ في الصلاة، بل هو علامةُ انتماءٍ إلى مدرسةٍ فقهيةٍ متكاملة. كما أن قول ابن عاشر في منظومته ليس تفصيلًا، بل تلخيصٌ لهويةٍ دينيةٍ جامعة: فقه مالك، وعقيدة الأشعري، وطريق الجنيد. وهذه الثلاثية هي التي صنعت التوازن المغربي بين النص والعقل، وبين الشريعة والتزكية.

ومن هنا، فإن الانتصار للسدل في المغرب ليس انتصارًا ضد القبض، بل انتصارٌ للترتيب الفقهي الجماعي، ولما جرى به العمل، ولحق الدولة في صيانة مرجعيتها الدينية. والقبض واردٌ في السنة، ولا يُنكر على فاعله في غير سياق الجماعة الراتبة، لكنه ليس هو المعتمد في المذهب، ولا هو الذي استقر عليه عمل المغاربة.

إن تحويل المسألة إلى معركةٍ رمزيةٍ هو إخراجٌ لها من سياقها العلمي. فالخلاف في الفروع سعة، والجماعة رحمة، والشقاق شر. وقد قُتلت المسألة بحثًا في المدونات، من ابن عبد البر إلى عليش، ومن خليل إلى شراحه، ولم تكن يومًا سببًا لتمزيق الصفوف. وإنما اشتدّ النكير حين جُعلت أداةً للتشويش على صلاة المسلمين، أو ذريعةً لاتهام مذهبٍ بأكمله بمخالفة السنة.

والتحقيق أن السدل ثابتٌ في المذهب، راسخٌ في العمل، مؤيَّدٌ بأدلةٍ وتأويلاتٍ معتبرة، وأن القبض واردٌ مشروعٌ لا يُبدّع به صاحبه. غير أن فقه الدولة – بما هو تدبيرٌ للشأن الديني العام – يختار ما يحفظ الوحدة، ويُقرّ ما جرى به العمل، صيانةً للاتفاق، ومنعًا للفرقة. فليس كل جائزٍ يُفعل في الجماعة، ولا كل واردٍ يُرفع إلى رتبة المعتمد.

وعليه، فإن السدل في المغرب ليس قضيةً مفتوحةً للنقض في كل حين، بل هو أمرٌ فُرغ منه من جهة الترتيب الجماعي. والقبض باقٍ في دائرة الخلاف المعتبر، يُدرَّس في كتب الفقه، ويُذكر في مجالس العلم، دون أن يُحوَّل إلى شعارٍ يُربك الصفوف. وهكذا يبقى فقه مالك، في عقد الأشعري، على طريق الجنيد السالك، عنوانَ تديّنٍ مغربيٍّ متوازن، يَجمع ولا يُفرّق، ويُؤصّل ولا يُقصي، ويُحسن إدارة الخلاف دون أن يجعله معولَ هدمٍ في بنيان الجماعة. والله ولي التوفيق.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...