الزاوية الوزانية بين إنصاف التاريخ ومزالق التنمر: دعوة إلى نقد مسؤول
محمد التهامي القادري
تُعَد الزاوية الوزانية واحدة من أبرز المؤسسات الروحية التي أسهمت في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي بالمغرب، بما راكمته من حضور تاريخي وتأثير رمزي امتد عبر أجيال متعاقبة. غير أن مقاربة هذا الامتداد لا ينبغي أن تظل حبيسة السرد التمجيدي أو الوصف التراكمي، بل تستدعي قراءة نقدية رصينة تتجاوز ظاهر الوقائع إلى مساءلة البنيات العميقة التي أنتجتها، والكشف عن الآليات الخطابية التي صاغت صورتها في الذاكرة الجماعية.
إن أول ما يسترعي الانتباه في دراسة هذا النموذج، هو النزوع الواضح في كثير من الكتابات إلى بناء صورة مكتملة للفاعل الروحي، تُقدَّم فيها الشخصية المؤسسة ومن تلاها بوصفها نموذجا جامعا بين الصفاء الأخلاقي، والنجاح الاجتماعي، والقدرة التدبيرية. غير أن هذا البناء، على ما فيه من جاذبية رمزية، يظل محتاجا إلى تفكيك منهجي يميز بين ما هو تاريخي قابل للتحقق، وما هو تَمثُّل رمزي أُعيد إنتاجه لخدمة غايات التثبيت والتكريس. فهل نحن أمام نقل أمين لوقائع كما حدثت، أم أمام إعادة صياغة لها وفق أفق معياري يروم تقديم المثال لا الواقع؟.. وإذا كان هذا الخطاب التمثيلي يسهم في ترسيخ مكانة الزاوية ضمن الوجدان الجماعي، فإنه في الآن نفسه يحجب عنا تعقيد التجربة التاريخية، ويغفل ما قد يعتريها من تحولات أو توترات. إذ إن عرض النموذج في هيئة مكتملة ومنفصلة عن شروطها الواقعية يُفضي إلى قراءة سطحية، تعجز عن استيعاب مسار تَشكُّل تلك المكانة وفهم العوامل التي أفرزتها. ومن ثَمّ، فإن الحاجة تصبح مُلحة إلى إعادة إدراج هذه التجربة ضمن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بما يتيح فهمها في أفقها التاريخي لا في صورتها الرمزية فقط.
ومن جهة أخرى، يلاحظ أن كثيرا من الخطابات المرتبطة بتاريخ الزاوية تميل إلى تأكيد استمرارية النموذج عبر الأجيال، بحيث يُقدَّم الامتداد العائلي والمؤسسي بوصفه إعادة إنتاج لنفس الخصائص والسمات. غير أن هذا الطرح – على ما ينطوي عليه من رغبة في تثبيت الشرعية – يغفل دينامية التحول التي تميز كل مرحلة تاريخية. فالشروط التي نشأت فيها الزاوية ليست هي نفسها التي استمرت في ظلها، كما أن أنماط السلطة والشرعية لم تبق ثابتة، بل خضعت لإعادة تشكيل مستمرة تبعا لتحولات المجتمع والدولة. وهنا يبرز سؤال جوهري: ” إلى أي حد يمكن الحديث عن استمرارية فعلية للنموذج، وإلى أي حد نحن أمام إعادة بناء لهذه الاستمرارية في الخطاب؟ “. إن الفصل بين الاستمرارية الفعلية وتلك التي يصوغها المتخيَّل يُمثّل مدخلا جوهريا لفهم آليات اشتغال الذاكرة الجماعية، وكيف يُعاد تشكيل الماضي ليخدم رهانات الحاضر. فالتاريخ في الإطار السالف الذكر لا يُستحضر كما وقع، بل يُنتقى ويُعاد تنظيمه بما يوافق حاجات رمزية ودلالية مخصوصة.
كما أن النظر في البعد الاقتصادي والاجتماعي للزاوية يكشف عن تداخل معقد بين الرأسمال المادي والرأسمال الرمزي، حيث لا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر. فالشرعية الروحية لم تكن منفصلة عن القدرة على التدبير، كما أن الامتداد الاجتماعي لم يكن قائما فقط على الخطاب الديني، بل على شبكة من العلاقات والمصالح التي أسهمت في ترسيخ الحضور داخل المجال. غير أن هذه الأبعاد كثيرا ما تُقدَّم في قالب احتفائي يُسلط الضوء على الحصيلة دون تفكيك سياقاتها، ويُبرز مظاهر الإنجاز دون فحص آلياته. وفي موازاة ذلك، يزداد المشهد المعاصر تعقيدا مع بروز ظاهرة لا تقل خطورة عن التمجيد غير المُمحَّص، تتمثل في نزعات تشكيكية عدمية وتَنمُّر رمزي موجه إلى الفاعلين الروحيين المؤسسين، وكذا إلى المنتسبين إلى هذه المؤسسة. إذ يتنامى في بعض الخطابات اتجاه إلى تبخيس التجارب الروحية، والتشكيك في الرموز والنوايا، والسعي إلى تقليص أدوارها التاريخية، بل والانزلاق أحيانا إلى السخرية من أصحابها ومن ممارساتهم، في غياب أي سند علمي رصين أو تحليل موضوعي متماسك. وهذه الظاهرة، وإن اتخذت في ظاهرها لبوس “النقد”، فإنها في حقيقتها تفتقر إلى أبسط شروطه، لأنها لا تقوم على مساءلة معرفية بقدر ما تنبني على مواقف مسبقة أو نزعات انفعالية. إن التمييز بين النقد العلمي والتَّنمُّر الخطابي يظل أمرا حاسما في هذا السياق، فالنقد الحق يسعى إلى الفهم والتفسير، ويُخضع الوقائع للتمحيص دون مساس بكرامة الأشخاص أو مشاعر الجماعات، أما التَّنمُّر فإنه يشتغل على التجريح والتشكيك والتقليل من القيمة، ويُفرغ النقاش من محتواه المعرفي، ليُحوِّله إلى مجال للتوتر والانقسام. ومن ثم، فإن مواجهة هذا الانزلاق لا تكون بالانغلاق أو بردود الفعل العاطفية، بل بإرساء خطاب علمي رصين يوازن بين حق النقد وواجب الاحترام.
إنّ الكتابة حول الزاوية، في ضوء هذه التحديات، مطالبة بأن تتجاوز ثنائية التمجيد والتبخيس، لتؤسس لمقاربة وسطية تنصف التجربة دون أن تُقدسها، وتنتقدها دون أن تُسيء إليها. فليست الغاية نفي القيمة الرمزية لهذه المؤسسة، ولا تحصينها من كل مساءلة، بل إعادة قراءتها في أفق علمي يليق بمكانتها التاريخية، ويستجيب في الآن ذاته لمتطلبات البحث الأكاديمي. وبذلك، يغدو البحث في تاريخ الزاوية الوزانية مدخلا لفهم أوسع للعلاقة بين الدين والمجتمع، وبين السلطة الرمزية والتنظيم الاجتماعي، وللكيفية التي تُبنى بها النماذج المثالية وتُعاد صياغتها عبر الزمن. إنها دعوة إلى الانتقال من إعادة سرد التاريخ إلى مساءلته، ومن استحضار الصور الجاهزة إلى تحليل شروط تشكلها، بما يفتح أفقا نقديا موضوعيا يُنصف الطبيعة المركّبة لهذه الظواهر ويُبرز تَشعُّب أبعادها، ويُحَصنها في الآن ذاته من الانزلاق نحو خطاب التبخيس أو التنمر الذي لا يُنتج معرفة، بل يُعمّق سوء الفهم.
التعليقات