الرياض وطهران: دبلوماسية “نزع الفتيل” وهندسة الخروج الكبير من حافة الهاوية
علي البلوي. باحث أردني
في اللحظة التي تبلغ فيها طبول الحرب ذروتها بين التهديدات الإسرائيلية والردود الإيرانية، تبرز المملكة العربية السعودية كقائد فعلي لغرفة العمليات الدبلوماسية، ساعيةً لتحويل مشهد المواجهة الصفرية إلى مسار سياسي واقعي.
لم يعد الدور السعودي اليوم مجرد وسيط تقليدي، بل تحول إلى “صمام أمان” إقليمي يمتلك القدرة على التحدث مع جميع الأطراف بلغة المصالح الحيوية، مستنداً إلى ثقله القيادي الراسخ وقبوله الاستراتيجي لدى العواصم الكبرى، من واشنطن التي يترقب رئيسها ترامب “صفقة كبرى” تنهي نزيف الحروب، وصولاً إلى طهران التي تجد في الرياض نافذة عقلانية وحيدة لتجنب سيناريو الانهيار الشامل.
وقد كشفت تقارير “بلومبيرغ” الأخيرة عن تكثيف الرياض لحوارها المباشر مع طهران خلال الأيام القليلة الماضية، في تحرك عاجل مدعوم من قوى أوروبية وإقليمية لتفعيل القنوات الدبلوماسية وتجنب صدام أوسع قد لا تحمد عقباه.
وقد قطعت هذه الجهود السعودية شوطاً تاريخياً في كسر الجمود، حيث فعل المسؤولون السعوديون “قنواتهم الخلفية” مع إيران بجدية غير مسبوقة، بهدف وضع “شبكة أمان” تمنع انزلاق المنطقة نحو صراع مفتوح.
ولعل الاختبار الأبرز لمتانة هذه القنوات تمثل في كيفية تعامل الطرفين مع حوادث استهداف منشآت حيوية ومقار دبلوماسية في الرياض ومناطق أخرى مطلع مارس الجاري؛ فبينما كان المتربصون يأملون في اشتعال فتيل أزمة جديدة، سارعت الخارجية الإيرانية عبر سفيرها في الرياض لنفي الهجوم رسمياً وبشكل قاطع، مؤكدة حرص طهران على التزام المملكة الثابت بعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لضرب إيران، وهو الموقف الذي ثمنته القيادة الإيرانية علناً واعتبرته حجر زاوية لمنع انفجار الموقف.
هذا “النضج الاستراتيجي” الذي يغلب لغة الاحتواء على التصعيد أثار حفيظة تل أبيب، حيث لم يخفِ نتنياهو قلقه من نضوج “طبخة سياسية” من وراء ظهره تضمن بقاء النظام الإيراني أو تبريد الصراع قبل تحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية الكاملة، مما دفعه للتواصل العاجل مع البيت الأبيض للتثبت من طبيعة التحركات الدبلوماسية السرية.
الحقيقة الماثلة الآن هي أن المبادرة السعودية باتت تمثل “السلم السياسي” الذي قد يختاره دونالد ترامب للنزول من شجرة التصعيد العسكري، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن تراجع في الزخم العسكري الإيراني، ليبقى الرهان الأخير معلقاً على قدرة الدبلوماسية السعودية في إقناع الأطراف كافة بأن كلفة السلام المستدام الذي ترعاه الرياض، تظل دائماً أقل بكثير من كلفة الاستمرار في صراع مفتوح لا يمكن لأحد السيطرة على نتائجه.
التعليقات