الرياض: هندسة المصالح وإعادة صياغة العقل السياسي الأمريكي
علي البلوي
تتمتع الرياض بخبرة سياسية عريضة ومتراكمة في التعامل مع دهاليز الإدارات الأمريكية ومؤسسات صنع القرار في واشنطن، وهي تدرك بعمق قواعد “لعبة الحزبين” (الديمقراطي والجمهوري) وتجيد المناورة داخل أروقة وسائل الإعلام، ولجان العلاقات العامة، وجماعات الضغط، والمكاتب الاستشارية الكبرى.
إن كل هذا الصخب السياسي والإعلامي يصمت تماماً عندما تفرض “لغة المصالح” كلمتها العليا؛ فالسياسات والاستراتيجيات قد تتبدل، والتحالفات تُعاد صياغتها، لكن ما يظل ثابتاً هو تلك الخبرات العريقة التي تمتلكها الرياض في مجالي الهندسة الأمنية والسياسية، وهي قدرات تتجاوز في تأثيرها قوة تصريحات السيناتور ليندسي غراهام أو غيره من الفاعلين السياسيين، بل وتمتد لتطال شركات المصالح والمنافع الكبرى وصولاً إلى أجهزة الاستخبارات الدولية.
وتعمل الرياض وفق استراتيجية “الفعل الصامت”، إلا أن الخبراء في شؤون الاستخبارات والسياسة والعارفين بلغة المصالح يؤكدون أنها عندما تقرر التحرك، فإنها تمتلك الأدوات والقدرة الكافية لإحداث تغييرات جذرية في الملفات الحيوية، سواء داخل الولايات المتحدة أو في الساحة الدولية على حد سواء.
إن زيارة غراهام الأخيرة وما رافقها من تحولات حادة في الخطاب السياسي تبرهن على أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل الخصوم إلى شركاء، أو على الأقل تحييدهم، من خلال إدارة ذكية لشبكة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة.
وعند تحليل التحول السيكولوجي في خطاب ليندسي غراهام تجاه الرياض، نجد أن “الهندسة السياسية” السعودية نجحت في تفكيك قناعاته الراديكالية السابقة عبر استراتيجية الإقناع بالحقائق الميدانية والمنافع الاستراتيجية الكبرى.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج فهم عميق لعقلية صانع القرار الأمريكي الذي يميل في النهاية إلى “البراغماتية” عندما تتعارض المواقف الأيديولوجية مع مصالح الأمن القومي والاقتصاد.
لقد استطاعت الرياض إعادة تعريف موقعها كمركز ثقل عالمي لا يمكن لواشنطن تجاوزه، مما دفع غراهام وغيره من الشخصيات المؤثرة إلى إعادة حساباتهم والاعتراف بالواقع الجيوسياسي الجديد الذي تفرضه المملكة بصمت وقوة، مما يثبت أن القدرة على التغيير داخل أمريكا تبدأ من إتقان لغة القوة الناعمة والصلبة معاً.
وتتجلى ذروة التأثير السعودي في القدرة على نقل ثقل العلاقة من مجرد تفاهمات مع السلطة التنفيذية والبيت الأبيض إلى مأسسة الشراكة داخل السلطة التشريعية؛ أي مجلسي النواب والشيوخ.
الرياض لم تعد تكتفي ببناء علاقات مع “الرئيس”، بل اخترقت مراكز القوى في لجان الكونغرس الحيوية عبر شبكة معقدة من المصالح الدفاعية والتقنية (مثل صفقات الذكاء الاصطناعي وطائرات F-35) التي تجعل من استقرار المملكة مصلحة قومية أمريكية عابرة للأحزاب.
هذا التأثير يمتد ليجعل القرار الأمريكي في الشرق الأوسط مرهوناً بالتنسيق مع الرياض كـ “ضمانة استقرار”، حيث تنجح الهندسة السياسية السعودية في ربط الملفات الحساسة -مثل أمن الطاقة والسيادة والضمانات الدفاعية- ببعضها البعض، مما يمنحها “حق الفيتو” الواقعي على أي استراتيجية أمريكية لا تراعي مصالحها السيادية.
التعليقات