الرياضة بمنطق السيادة..

22 يناير 2026

عمر العمري
تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا صلة لها بروح التنافس الشريف ولا بوظيفته الإنسانية (الجزائر نموذجا).

ويكشف هذا المسار اختلالا عميقا في الوعي بوظيفة الرياضة ومعناها، وفي فهم حدود استثمارها، وفي تقدير موقعها داخل شبكة العلاقات التي يفترض أن تبنى على التقارب الإنساني والتفاعل الحضاري بين الشعوب، وهي القيم التي شدد عليها البلاغ الملكي، الصادر اليوم، باعتبار أن النجاح المغربي في هذه الدورة هو في جوهره نجاح لإفريقيا كلها، وأن روابط الأخوة الإفريقية تظل أعمق من أن تهزها انفعالات ظرفية.

وتؤكد الوقائع أن ما حدث يستدعي قراءة مركبة تتجاوز الحدث في ذاته، وتأخذ بعين الاعتبار سياقا إقليميا يتجه باطراد نحو مزيد من الاستقطاب، وتضييق هوامش التهدئة، وتآكل منسوب الثقة بين الفاعلين، في وقت تتكاثر فيه محاولات التشهير والنيل من المصداقية، وهي المحاولات التي أكد البلاغ الملكي أنها لن تبلغ مرادها أمام وعي الشعب المغربي وتمسكه بروح التضامن والتقارب.

وتغدو الرياضة داخل مثل هذه الأجواء المشحونة فضاء موازيا للصدام، حيث يجري توظيف الحشود كطاقة رمزية لإدامة مناخ التوتر، وتمرير الإخفاقات الداخلية نحو الخارج، وصياغة روايات عدائية تستعمل بديلا عن الاشتغال الجاد على معالجة الأعطاب البنيوية، في تعارض مباشر مع الرؤية التي تجعل من الرياضة أداة إشعاع قاري وجسر تواصل بين الشعوب.

وينتهي هذا المسار إلى إفراغ الرياضة من معناها العميق، بعدما قامت فلسفتها الحديثة على ترسيخ قيم التنافس النزيه، وتكوين الأفراد على الانضباط الذاتي، وتقبل الخسارة، واحترام الخصم، والالتزام بقواعد اللعب باعتبارها أساس التعايش داخل المجال التنافسي، وهي القيم التي حرص المغرب على تجسيدها من خلال تنظيم احترافي وانخراط شعبي واسع طبع مجمل أطوار هذه الدورة.

ويكشف هذا الانزلاق عن هشاشة الوعي الجماعي كلما جرى عزله عن التفكير النقدي وتركه رهين الخطاب التعبوي، فتغدو الحشود سريعة الاستجابة للتوجيه، وقابلة للانخراط في مسارات عدائية تدار خارج منطق المصلحة الوطنية، وتسخر ضمن حسابات سياسية لا تمت بصلة إلى الرياضة ولا إلى القيم الإنسانية التي تؤطرها، في مقابل نموذج مغربي يعلي من شأن الوعي والمسؤولية والانضباط.

ويعمل المغرب على إنتاج نموذج مختلف في تدبير المجال الرياضي خلال العقود الأخيرة، يقوم على توظيفه كرافعة للانفتاح، ومد جسور التواصل، وتعزيز الحضور القاري والدولي عبر الشراكات، والتنظيم المحكم، والتعاون متعدد المستويات، بما يجعل أي انحراف نحو خطاب الكراهية مساسا مباشرا بهذه المكاسب الاستراتيجية، وتشويشا على مسار جعل من الرياضة إحدى أدوات إشعاع إفريقيا نفسها.

ويستدعي هذا الواقع تجاوز منطق التدبير الظرفي نحو مقاربة وقائية عميقة، تقوم على تشييد منظومة متكاملة تجمع بين التربية الرياضية، والإعلام المسؤول، والتأطير الثقافي، والسياسات العمومية، بما يعيد للرياضة موقعها القيمي الطبيعي ويحول دون توظيفها في مسارات التعبئة العدائية.

ويقتضي هذا المسار أن السيادة الحديثة تبنى على التحكم في الفضاءات الرمزية، وصون التوازنات الداخلية، وإدارة الصورة الخارجية وفق منطق المصلحة بعيدة المدى، لا على منسوب الضجيج ولا على حدة التصعيد الخطابي.

إن الرياضة، حين تدار بعقل الدولة، تتحول إلى رافعة استراتيجية، وحين تترك لانفعالات الشارع، تنقلب إلى عبء جيوسياسي عالي الكلفة..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...