الرياضة. العروي. الإنجازات… قراءة في أسباب الحسد الذي يطال المغرب
معتز فيصل ـ باحث في دراسات العولمة
المملكة المغربية: كل ذي نعمة محسود !! الآن فقط فهمت العبارة الشائعة في الأدبيات السياسية والثقافية المغربية، والقائلة: “المغرب ليس بجزيرة معزولة، ولكن لا بد أن تتظاهر وكأنها كذلك”!! (مع التذكير هنا بأن تطور كرة القدم في المغرب ما هو إلا مظهر من مظاهر التنمية في الدولة ككل)
****************
أكتب هذه الكلمات إحقاقاً للحق، وانتصاراً للحقيقة الماثلة بالمعرفة المدعومة بالدليل، وليس لي لا ناقة ولا جمل، ولا نريد جزاءً ولا شكوراً، فالحمد لله لسنا ممن يسعون لجاه أو منصب أو مزايدة.. لكن لم تعد دواخلي تستطيع الصمت والسكوت في الوقت الذي ينتشر فيها الجهل والتجهيل، والشفاهة، واحتقار العلم والمعرفة، في زمن السرعة والسطحية، وازدراء المعرفة والعمق والحفر والتحقيب العلميين، والتجهيل الإعلامي، والتهافت الشعبي على التفاهة والمعلومة المعلّبة.
وفي زمن انسياق الجماهير لكل ما هو فقط جدلي وبراق وإشكالي في هذا الفضاء التكنولوجي الذي غسل العقول والألباب.
أقول ما يأتي، وأنا أول المنبهين دوماً لإخوتي المغاربة قبل غيرهم، بأنني لا أتعامل مع المغرب كحالة رومانسية فلكلورية لأحتفي فقط بوجهها الإيجابي، وكما أقول لهم دائماً إنني على وعي تام بأنها بلاد يعتريها من إشكالات توجد في كل مجتمعات بشرية وفي كل أنظمة اجتماعية وسياسية، وأنني حريص كل الحرص على احترام أهلها ممن يكابدون فيها صعوبات الحياة والإشكالات التي بها كأي إشكالات موجودة في بلد آخر، كما أنني حريص كل الحرص على احترام مفكريها وشبابها ونخبها والحادبين على صلاحها، بأنني بتبياني هذا لا أنكر أو أجحد سعيهم ونضالهم لتحسين الأمور فيها من أفضل إلى أفضل، ولا أغفل حقهم في النقد البنّاء الذي يوجهونه إليها حرصاً على نهضتها وتقدمها، ولكنني أردت أن أكشف جيداً عن وجهها الطيب الذي اتضح جلياً أن لا شعوب المنطقة ولا إعلامها ولا مثقفيها على علم به، وهو في اعتقادي المتواضع ما يجعل الكثيرين غير مدركين مكانة ومنزلة ما هم بصدد التهكم به والنيل منه ومن أهله.
أكتب في هذه السطور لا عن ما جرى بالأمس في نهائي الكأس الإفريقية، ولا عن المستوى الفني، ولا عن استحقاق السنغال للفوز بالكأس، فالسنغال والسنغاليون شعب عزيز وأهل من أهل الله.. ما دفعني للكتابة وحفزني عليها هو ما أحاط بهذه البلاد، وحاول أن ينال منها ومن أهلها طوال احتضانها للبطولة الإفريقية. وفي الحقيقة إنني أردت أن أكتب عن معرفتي بهذه البلاد منذ أن زرتها لأول مرة منذ ثلاث أعوام، لكن لا المعرفة ولا القدرة الكتابية ولا حتى فهمي للسياق عاونني في أن أنطق بشيء عنها، وأسأل الله أن يوفقني فيما أريد قوله هنا.
ما أود الكتابة عنه يتعلق بأمرين:
أولاً: بما تحملته هذه البلاد أرضاً وشعباً من حملة ممنهجة تشكك في كل شيء، بالرغم من أن الحقائق على الأرض تخالف تماماً هذه الحملات. في حقيقة الأمر أن هذا الهجوم الممنهج على هذه المملكة العزيزة، والتي لن تسعفاني السانحة ولا القلم للتأكيد على مكانتها التاريخية قديماً وحديثاً، وما قدمته للبشرية وللشعوب، لم يكن وليد هذه البطولة، فمحاولة النيل من هذه البلاد قديمة لم تنشأ بالأمس، وإنما تصاعدت النبرة تجاهها لاحتضانها لحدث يقع تحت أضواء العالم.
للأسف أن أغلب هذه المحاولات للنيل من هذه البلاد الطيبة تقف من ورائها أطراف ممن يُفترض أن تكون أول من تضع يدها على يدها لتمضي مسيرة الإخوة والروابط التاريخية والتنمية يداً بيد. وللأسف انساقت مشاعر الشعوب وفقاً لما تريده هذه الأطراف، ورأينا مشاحنات لا يرضاها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يرضاها من هو حريص على تماسك شعوبنا ودولنا، لا سيما في عالم ينضح بالمؤامرات وبقوانين الغاب.
الحقيقة هي أن كل ذي نعمة محسود، فالمغرب هي من آخر دول المنطقة والإقليم والشرق الأوسط التي نجت، بحكمة شعبها وحكومتها، من الوقوع في براثن الفوضى السياسية والانقسامات الشعبية والتمزق. كيف لا، وهي البلاد التي طالما اتسمت تاريخياً بحكمة أهل السياسة فيها، وعقلاء شعبها، وفطنتهم. هي بلاد محسودة على أنها من قلائل دول هذا الإقليم الممزق التي استطاعت أن تحقق تنمية متوازنة إلى حد ما، في ظل ضغوطات خارجية مهولة، وتحديات عالمية اقتصادية غير طبيعية، بالرغم من أنها ليست بدولة نفط غازية، ولا دولة استقلت وفي فمها ملعقة ذهب، فهي بلاد ناضلت نضالاً محموماً في وجه مستعمرين شرسين (الفرنسي والإسباني) في الوقت نفسه، وكانت تاريخياً لها صولات وجولات ضد الاعتداء الخارجي، ولم تستطع حتى الخلافة العثمانية أن تظفر بها.
هي بلاد محسودة لأخلاق أهلها، وحسن معاملتهم للجميع، وطيب علاقاتها الدبلوماسية مع شعوب العالم أجمع. أما بالنسبة لعلاقتها بجيرانها الأفارقة، فهذا مما لا يمكن أن تسعفه صفحات من الكتابة. كيف لا تكون كذلك، وهي البلاد التي بها مؤسسة كاملة تعتني كامل العناية بعلماء إفريقيا، وكيف لا، وهي التي تعتبر إفريقيا جزءاً أصيلاً في مكونها الثقافي والإثني والديني، وهو الأمر الذي سأستفيض فيه قليلاً في النقطة الثانية، وانتهالاً من ألسنة مثقفيها وكتاباتهم، وليس من خواطر أفكاري المجردة. كيف لا تُحسد على هذا، وهي أرض الأولياء والصالحين الذين يصلون الليل بالنهار حماية لأصالتها، وأخلاق أهلها، وقيمهم، وتوادّهم. كيف لا تُحسد، وهي البلاد التي انطلقت منها هجرات متصوّفتها ضاربة في أرض الله، لتنشر سماحة الدين، ودماثة الأخلاق، وأصالة القيم.
هي بلاد محسودة لأنها تمضي في مسيرة تنموية قطعت فيها شوطاً كبيراً في العشرية الماضية، في الوقت الذي كانت فيه الدول الأخرى قابعة في مستنقع النعرات
والعصبيات والتمزق واحتراب أبناء التراب الواحد.
هي بلاد محسودة على جمالها وتنوع جغرافيتها
شواطئ وجبال، وملبساً وثقافة، ومشرباً وطقساً، ومعماراً وألحاناً، وموسيقى ومسرحاً ولهجات، وغيرها من الكثير مما لا يسعف الوقت باستعراضه.
أما الأمر الثاني، فهو الجهل المريع بالملل والنحل المكوّنة لهذه البلاد من قبل بعض شعوب المنطقة (وهي معذورة لغرقها في الإسفاف والتفاهة والإنصرافية )، ومن بعض إعلامها ومثقفيها. يظهر هذا السلوك كثيراً عند الجدل السياسي والثقافي حيال الرغبة في تحري موضع المغرب من الجغرافيا العربية أو الإفريقية؛ فمن لا يحب أن يراها عربية يصمها بغير ذلك، ومن لا يريد انتسابها لإفريقيا يصمها بغير ذلك. وحقيقة الأمر على أرض الواقع، ومن موقع ما ينضح به الضمير الشعبي والرسمي المغربي، هو أن الإحساس بالانتماء لهذا أو لذلك موثق ومصرّح به، وأن الطريق الثالث الذي يُصرح بمغربيته فقط يعبّر عنه لفيف واسع من أهل هذا البلد. وفي الحقيقة، إنني لا أرى ما يضير أهل المغرب في اختيارهم لأي جغرافية أو هوية ينتمون إليها، فهذا شأنهم تماماً، وليس لأحد الحق في مصادرة هذا الحق أو اختطافه لصالح هوية ما وتعميمها على غيرها.
وبالرغم مما تقدم، أريد أن أشدد تمام التشديد، وأن أؤكد تمام التأكيد، أن الاحتفاء المغربي بالانتماء إلى إفريقيا حاضر كل الحضور شعبياً ورسمياً، وفي اللغة وفي الثقافة، ولا يحتاج فيه أحد للمزايدة على هذه الحقيقة، وهو احتفاء صادق. وأتمنى تماماً ألا تؤثر إرهاصات هذه البطولة، وما تخللها من إشكالات، على تقليل هذا الاحتفاء بهذا المكون الأصيل في المغرب، وألا يُطعن فيه كردة فعل على ما بدر من تصرفات وتصريحات محسوبة على الإخوة في إفريقيا من جمهور وإعلام، وأتمنى ألا يؤثر ما حدث في مباراة الأمس أيضاً على هذا الأمر، ولا على العلاقات مع شعب السنغاغأز غيره من دول أمنا افريقيا. الجميع هنا يعلم من كانت له المصلحة في شحن الإعلام والجمهور الإفريقي في الأسبوعين الأخيرين ضد المغرب والتنظيم في المغرب، والطعن في نزاهة التنظيم بالكثافة التي أدى تراكمها لما حدث بالأمس من تصرفات لا تليق بسمعة القارة ولا بالروح الرياضية.
والآن، وفيما يلي الدلائل على هذا الاحتفاء المغربي بأن إفريقيا أحد مكوناتها، أترك لكم في هامش هذا المقال بعض من هذه الحقائق التاريخية والثقافية، وبعضها عبارات مقتبسة من على ألسنة أفذاذ مثقفيها الذين أغنوا الفكر الإفريقي والعربي والعالمي بروائعهم.
وفي نهاية هذا المقال، أنبه نفسي وغيري من شعوب منطقتنا ألا نجعل مثل هذه الأحداث الرياضية سبباً في تعميق الجراحات التافهة، وسبباً للتباغض والتشاحن، وأن تحرص الجهات المسؤولة على مد جسور التواصل والتعاون والاحترام المتبادل، وأن تحرص الشعوب على المعرفة والعلم، والإحالة إلى مصدر المعلومة الصحيحة المدعومة بالأدلة، وبمعاينة الحقائق قراءةً وميداناً.
قوموا إلى أعمالكم ونهضتكم، يرحمنا ويرحمكم الله.
الهامش:
1. عبد الله العروي
رغم كونه مؤرخًا حداثيًا، يؤكد في كتاباته أن المغرب كيان إفريقي تاريخيًا قبل أن يكون متوسطيًا.
في مفهوم التاريخ والإيديولوجيا العربية المعاصرة يشير إلى أن عزل المغرب عن إفريقيا هو نتاج الاستعمار المعرفي الفرنسي.
يعتبر أن الهوية المغربية نتاج تراكب عربي–أمازيغي–إفريقي–أندلسي.
الدليل: تحليله للدولة المغربية باعتبارها امتدادًا لتاريخ الصحراء والسودان الغربي لا مجرد هامش عربي.
2. محمد عابد الجابري
في تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، يميّز بين:
عقل مشرقي
عقل مغاربي تكوَّن في فضاء إفريقي–أمازيغي–صحراوي
يعترف بأن المغرب لم يكن يومًا خارج إفريقيا معرفيًا أو ثقافيًا.
الدليل: حديثه عن خصوصية “العقل المغربي” المرتبط بالجغرافيا الإفريقية لا بالمركز المشرقي.
3. عبد الكبير الخطيبي
من أكثر المفكرين وضوحًا في هذا الباب.
طرح مفهوم “الهوية المتعددة” و**“الازدواج اللغوي والثقافي”**.
يرفض اختزال المغرب في هوية عربية صافية.
الدليل: كتاب الاسم العربي الجريح والذاكرة الموشومة حيث يعتبر أن الجسد المغربي نفسه يحمل آثار إفريقيا جنوب الصحراء.
4. إدريس الشرايبي
في رواياته، خاصة الماضي البسيط، يحضر المغرب كفضاء إفريقي متمرّد على التصنيف الاستعماري.
يسخر من النظرة الفرنسية التي “تبيّض” المغرب ثقافيًا.
الدليل: تصويره للمغرب كفضاء هجين، غير أوروبي، وغير مشرقي.
5. أحمد الطيب العلج
مسرحي وزجال
نصوصه الشعبية تُظهر المغرب كامتداد ثقافي إفريقي من خلال:
الإيقاع
اللغة
المرجعيات الصوفية والطقوس الجماعية
ثانيًا: الأدب الشعبي المغربي ودلائل الانتماء الإفريقي
1. فن كناوة (Gnawa)
أصل إفريقي صريح (مالي، النيجر، غينيا).
كلمات الأغاني:
تمجّد “السودان”
تستحضر العبودية، الرحلة، الذاكرة الإفريقية
أسماء الأولياء: سيدي بلال، سيدي ميمون، لالة عائشة
الدليل القاطع:
اللغة، الإيقاع، الطقوس، والذاكرة الجمعية كلها إفريقية غير قابلة للتأويل.
2. العيطة
ليست مجرد غناء، بل سجل تاريخي شفهي
تعكس:
مقاومة
قبائل
امتدادًا صحراويًا إفريقيًا
الإيقاع جماعي، غير فرداني، وهو سمة إفريقية واضحة.
3. الملحون
الشعر الملحون يحمل:
صور القوافل
الصحراء
التجارة مع تمبكتو
مفردات إفريقية غير عربية فصيحة
الدليل: استعمال الزمن الجماعي والأسطورة، لا الفردية الحديثة.
4. الحكاية الشعبية (الحلقة – جامع الفنا)
بنية الحكي:
دائرية
شفوية
جماعية
تشبه الحكايات الإفريقية في مالي والسنغال أكثر من الحكاية العربية الكلاسيكية.
ثالثًا: كُتّاب مغاربة من أصول إفريقية جنوبية (أو عبّروا عنها)
1. عبد السلام بنعبد العالي
في فلسفته الجسدية والاختلاف، يرفض نقاء الهوية.
متأثر بالفكر الإفريقي المعاصر حول الجسد والذاكرة.
2. مبارك ربيع
رواياته القروية تُبرز الامتزاج العرقي والثقافي.
لا يتعامل مع “السواد” كعار بل كجزء من الاجتماع المغربي.
رابعًا: دلائل تاريخية ثقافية لا يمكن إنكارها
الدولة المرابطية والموحدية
قامت على امتداد صحراوي إفريقي
عواصمها الثقافية كانت أقرب لتمبكتو منها لبغداد
الزوايا الصوفية
طرق مثل التيجانية والقادرية ذات امتداد إفريقي واضح
اللغة الدارجة
تحتوي على مفردات إفريقية
بنيتها الإيقاعية غير مشرقيّة
التعليقات