الرياضة أخلاق قبل أن تكون منافسة

8 يناير 2026

محمد المهدي اقرابش

ساءني ما رأيت من سلوكات منحرفة اقترفها من ادعى حبه للرياضة والمنافسة الشريفة من جمهور ولاعبين. ولعمري إنهم لبعيدون عن هذه القيم بُعْدَ الثرى عن الثريا.فمعاذ الله أن تكون الرياضة محلا لسوء الخلق والعنف والسيء من القول والفعال.
تفرض الرياضة روح التسامح، واحترام الخصم، وعدم التعالي والغرور والفساد في الأرض.
نشأنا على هذه القواعد ونحن صغارا نمارس الرياضة، أو نشاهد ما يدل عليها كالرسوم الكرتونية التي طبعت وجدان جيل كامل، ولا أظن أن هناك من جيلنا من لم يتابع بشغف مسلسل “كابتن ماجد” المدبلج وضربته الصاعقة، أوبسام وضربة مخلب النمر الفاتكة. أذكر هذه النعوت ولا أملك إلا أن أتبسم والحنين يجرني إلى أيام الطفولة، أيام اللهو والصبا، ولسان حالي يقول ما قال الشاعر ابن الرومي:
أأيام لهوي هل مواضيك عُوَّدُ
وهل لشبابٍ ضل بالأمس مُنشِدُ
يجب على الرياضي الحق أن بتصف بحسن الخلق، فلا يكون فظا غليظ القلب بل هينا ولينا . لأن العقل السليم في الجسم السليم. وكل إناء بما فيه ينضح. وإناء أحدنا جسمه الذي ينضح بما يطبع روحه من أخلاق وصفات.
قرر أهل التربية أن الرياضة هي وسيلة من وسائل التربية والتنشئة. وإن الناشئة لتصغى أفئدتهم وتهيم نفوسهم بالرياضة والرياضيين خاصة لاعبي كرة القدم لصيتهم الواسع وتأثيرهم على الجماهير. وللناس في ما يعشقون مذاهب.
لذلك يُطْلَبُ حسنُ الخلق ممن يشار إليه بالبنان، لأن الناس تنظر إليه وترى فعله والمحب مجبول على اتباع محبوبه، فلا يجمل به إذن خرم المروؤة وانتهاك قواعد السلوك. فَمَن حَسُنَ خلقه فقد أبان عن معدن أصيل و محتد كريم و صحبة صالحة. و أما من ساء خلقه فبئس الشخص هو، وبئس الصنيع صنيعه. وحقا؛ الناس معادن، منهم خيار وصالحون ومنهم دون ذلك.
إن سوء الخلق أو حسنه ناتجان عن الرفقة والمخالطة. فإن كانت الرفقة طيبة وصالحة فإن المرء يتطبع بالجيد من الخصال أما إذا كانت سيئة فإن المرء تسوء خلاله بسبب مرافقته لأهل السوء فمثله كمثل جالس الحداد ونافخ الكير. والطباع يسرق بعضها من بعض. فَفِرَّ واهرب أخي الكريم من سيء الخلق فرارَك من المجذوم والموبوء، لأنه يعدي ويضر.
قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: “لا تصحب من لاينهض بك حاله ولا يدلك على الله مقاله” وقيل “الصاحب ساحب” أي يسحب الصاحب إلى الحسن أو السيء من الفعل.
و قال أحدهم :
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي.

لطالما تناول العلماء و الفلاسفة والمفكرون موضوع الأخلاق بالتدريس والتحليل، فقرروا أن الفطرة الإنسانية تميل إلى حسن الخلق والأدب والاحترام.

لقد أثنى الله عز وجل على نبيه و مدحه فقال سبحانه: “وإنك لعلى خلق عظيم” سورة القلم الآية 4. وحرف “على” تفيد العلو فدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جسد الأخلاق الحسنة وتمثلها، بل علا وسما حتى فاق الأخلاق وجاوزها. أضف إلى هذا توكيدَ “إن” ولام التوكيد المتصلَ بحرف “على”. مؤكدات تدل على جلال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورضي الله عن حسان بن ثابت الذي قال:

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني

وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ

كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

سُئِلَت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت” كان خلقه ألقرآن” أخرجه أحمد.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم “إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم” رواه أبو داود.

رحم الله امير الشعراء أحمد شوقي:

انما الامم الاخلاق مابقيت

فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه “لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء، ومن لا حياء له لا دين له” رواه ابن عبد البر.

فاقتبس الشاعر أبو تمام حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقال:

فَلا وَاللَهِ ما في العَيشِ خَيرٌ

وَلا الدُنيا إِذا ذَهَبَ الحَياءُ

إِذا لَم تَخشَ عاقِبَةَ اللَيالي

وَلَم تَستَح فَاِفعَل ما تَشاءُ

إن الأخلاق الطيبة هو أساس الخير في كل شيء. ومَنْ لا خُلُقَ له لا خير فيه. وإن السيادة والوجاهة الحقيقية لا تتحقق بسبب مال أو منصب أو حظوة إن لم تكن مقرونة بالحكمة وحسن الخلق. وإنما الخلق بالتخلق والمجاهدة والحلم بالتحلم والمكابدة.وكُلٌّ يسأله الله يوم القيامة.

إن الجهر بالسوء والإفساد بالقول والفعل في الارض كما رأيناه وعايناه عند قوم لَهُوَ شيء مدان لا يقره دين ولا خلق.

إن فلسفة الاخلاق هو علم قائم بذاته وهو يسعى إلى تشييد العمران و تحقيق سعادة الإنسان. و سوء الخلق هو إيذان بالخراب والفساد، وإنه ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.

حسن الخلق هو رزق من الله سبحانه وتعالى لمن أراد الله به خيرا، فقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِأَشَجِّ عبدِ القيسِ: (إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ)، فقال: أخُلُقَينِ تَخلَّقتُ بهِما؟ أم خُلُقينِ جُبِلتُ علَيهِما؟ فقال: (بل خُلقَينِ جُبِلتَ عليهما) فقال: الحمدُ للهِ الَّذي جبَلَني على خُلقَينِ يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه”. رواه أبو داود.

أما الأحنف بن قيس فقد كان مضرب المثل في الحلم وحسن الخلق. وكان سيدَ قومه ومعه مائة ألف سيف يأتمرون بأمره. شتمه أحدُهم يوما واقذع له في القول والأحنف يمشي ولا يرد إلى ان اقترب إلى مضارب قومه فوقف وقال له: “هل فرغت يابن اخي أم أقف حتى تفرغ؟ فان قومي ان رأوك أروك ما تكره”.

إن هذه الأمة هي أمة الاخلاق. ومن ضيع الأخلاق فقد شقي وتعس وحُرِمَ خيرا كثيرا. ومن سعى إلى الفضائل سعيا فسينال مراده ويرى ما تقر به عينه. فإنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، والصبر بالتصبر. ولا يزال العبد يتحرى حسن الخلق حتى يصير الأدب سجية له.ومن أراد حسن الخلق فعليه بالوصايا العشر للقمان الحكيم التي ذكرها القرآن الكريم. ففيها الدواء والشفاء لمن به علة سوء الخلق وفيها أبلغ درس وعظة وحكمة.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كان إذا افتتحَ الصَّلاةَ كبَّرَ ثمَّ قالَ : إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي إلى قوله : أوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهمَّ اهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يَهدني لأحسنِها إلَّا أنتَ ، وقني سيِّئَ الأعمال والأخلاق لا يقي سيئَها إلا أنتَ” النسائي الدارقطني.

وجدير بالذكر أن حسن الخلق لا يتعلق بدين حصرا فإنك تجد أقواما غير مسلمين ويتميزون بحسن الخلق.

فعن المستورد القرشي رضي الله عنه أنه حدَّثَ بحديث سمعه من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلغه إلى عمرو بن العاص، أنه قال: تقوم الساعة والروم أكثر الناس فقال عمرو لمستورد أبصر ماتقول؟ فأجابه مستورد: ” أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرو ابن العاص رضي الله عنه: ” لئن قلت ذلك”، فعدد له محاسن الروم فقال: إنهم لأحلم الناس عند الفتنة، وأسرعهم إفاقة بعد المصيبة، وأسرعهم كَرّة بعد الفرة، وخيرهم للمسكين واليتيم والضعيف…”. صحيح مسلم.

وخلاصة القول وجماع الأمر كله في حسن الخلق أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: “وخالق الناس بخلق حسن”. رواه الترمذي.

قال ابن رجب رحمه الله: (وقوله ” وخالق الناس بخلق حسن”هو من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به”.

فالله الله في حُسن الخلق!

قال الله تعالى” وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ” سورة الفرقان الآية 63.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...