الدكتور محمد نصيحي يستقرئ البُعد الإعلامي القيمي في فكر مالك بن نبي
أحمد المهداوي/كاتب صحافي
يستفتح الدكتور محمد نصيحي، أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان مولاي سليمان، قراءته البحثية المتعمقة، والتي تناولت بمقاربة استقرائية “البُعد الإعلامي القيمي في فكر مالك بن نبي”(*)، (يستفتح) بالتطرق للوظيفة التأثيرية التي باتت تلعبها وسائل الإعلام والاتصال، اليوم، بوصفها “قوة ناعمة” قادرة على تشكيل الآراء وتكوين القناعات الشخصية والجماعية، وهيكلة عقليات وِفق تصورات ورؤى معينة بخلفيات محددة، وكيف استطاعت هذه الوسائط الإعلامية نيابة عن المؤسسات التقليدية لعب دور التربية والتوجيه عبر إعادة صياغة اللغة وبناء المعنى والتأثير الاجتماعي المباشر الذي تمارسه عن طريق توسيع نطاق الوصول الجماهيري، وتوفير قنوات اتصال فورية وتفاعلية (خاصة مع ظهور الإعلام الرقمي)، مما جعل من هذا الأخير، في الوقت الراهن، أداة قوية لتشكيل الوعي، والتأثير على السلوك، ما أتاح أمامه فرصة لأن يكون شريكاً أو بديلاً للمؤسسات التقليدية في بناء الهوية المجتمعية وتوجيه الوعي الجمعي.
ولئن كان الإعلام، حسب الدكتور نصيحي، قد “منح الإنسان فرصاً للاستزادة المعرفية والنهل المعلوماتي، وذلل أمامه الصعاب لولوج عالم لا متناهي من المعارف والمدارك”(1)، فإنه في المقابل “استسهل عليه الكبد المعرفي وما يرتبط به من ضرورة تحمل مشاق التحصيل العلمي، وسبر أغوار الكتب والتنقيب في أحشاء المصنفات”(2).
إذن فالإعلام، الرقمي على الأخص، بقدر ما مكّن العقل البشري من مهارات وأدوات معرفية مستجدة بقدر ما استسهل، هذا العقل نفسه، المعلومة التي باتت أداة طيعة، لا كمورد مرن يمكن توجيهه واستخدامه بفعالية وحسب، بل كوسيلة تحفز “الاتكالية المعرفية” لدى الفرد، وهو ما فرض نوعاً من “الحجر على الفكر القادر على الإبداع؛ والجدير بالاستمداد من منبع القيم الصافي (الوحي). لتتأسس منظمة قيمية غير متجانسة من شأنها أن تغذي التناوش بدل التعايش، والتناحر بدل التسامح، والاقتتال بدل التراحم”(3).
وعلى اعتبار هذا الدور الحساس الذي يلعبه الإعلام، كقطاع حيوي، من شأنه أن يضطلع بوظائف متباينة؛ كونه “سلاحاً مزدوجاً” يمكن أن يُسهم في بناء السلم وتكريس قيم الحوار والتعايش السلمي، وفي الوقت ذاته، له القدرة على أن يعمل كآلة للتحريض على الكراهية وتأجيج النعرات والفتن، استطاع الباحث في مجال الدراسات الإنسانية والحضارية، محمد نصيحي، أن يطرح مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالمنظومة القيمية المنقولة عبر الإعلام الغربي، والتي كان من أوائل المدركين لخطورة تسربها كـ”قيم مادية” إلى البلاد المُستعمرة (البلاد العربية والإسلامية)، المنظّر الجزائري مالك بن نبي، والذي رأى، كنتيجة لنقده النابع من تحليله الحضاري الشامل للغرب، أن الإعلام الغربي، كجزء من ثقافة الاستعمار، يساهم في تشويه الوعي الإسلامي والعربي، ويغرس القابلية للاستعمار عبر تقديم صورة مبتورة ومغلوطة عن الغرب والحضارة.
وعلى الرغم من كون مالك بن نبي لم يتناول الإعلام الغربي، كموضوع مستقل بالتحليل المباشر الصريح، ولم يُدرك الصورة الحالية للوسائط الإعلامية، ولا الثورة المعلوماتية الرقمية المستجدة، إلا أن الدكتور نصيحي سعى في دراسته التحليلية إلى الكشف عن العلاقة الضمنية بين المشروع الفكري لمالك بن نبي مع الإعلام، بداية بتشريح مفهومي الإعلام والقيم كمدخل لفهم العلاقة السببية بين هذين المفهومين، وبالتالي إبراز المدى الإعلامي القيمي في فكر بن نبي.
ومن أجل الوقوف على الدلالة المفاهيمية لمصطلحيّ الإعلام والقيمة، قام الدكتور نصيحي، ابتداءً، بدراسة المعنى في أبعاده وكيفية تشكله، ودلالاته السياقية لتوضيحه بدقة، فكان الأول (الإعلام) “عبارة عن عملية النقل الموضوعي للمعلومات، من مرسل إلى مُستقبل قصد التأثير الواعي على عقل الفرد من أجل تكوين رأي عام (…)، وما من إعلام إلا ويكون محملا بالقيم البانية للحضارة التي أنتجته”(4)، وكون الإعلام مُصدِّراً للقيمة فإن هذه الأخيرة، كلفظ دخيلٍ/وافد على التراث العربي الإسلامي، حسب الدكتور نصيحي، هي “عبارة عن محددات سلوك الإنسان وضوابط لتصرفاته”(5).
تبعاً لذلك، وكون الإعلام أداة ناقلة ومشكلة للثقافة والقيم المجتمعية والفردية وكون الأخيرة مؤثرة على المحتوى الإعلامي في علاقة جدلية عميقة، يؤكد الدكتور محمد نصيحي، في خضم البحث في المداخل المؤطرة للنظرية المعرفية لمالك بن نبي، (يؤكد) أن الأخير “يلح على ضرورة تنزيل النسق القيمي الإسلامي -عبر وسائل الإعلام المتاحة- من أصوله النظرية المؤسسة إلى المجالات العلمية التطبيقية”(6).
وعلى اعتبار أن الإعلام أداة تبليغية لنشر الوعي الحضاري وتوجيه الإنسان والمجتمع نحو بناء حضاري جديد فإن ابن نبي “انتقد الإعلام المتاح في عصره في البلاد العربية والإسلامية، حيث ظل يمتح من الثقافة الغربية بموجهاتها الدينية والتاريخية والفكرية، وتخلى عن الوحي باعتباره الباني الحقيقي للشخصية القادرة على تحقيق العروج الحضاري”(7).
هذا التخلي عن الوحي/الدين، كظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، أسفر عن التخلي في المقابل عن الأنا الواعية للذات، في حالة الإنسان العربي/المسلم، وهكذا يمسي هذا الفراغ الروحي مغذياً ومحفزاً للاستيلاب الاجتماعي ما ينتج عنه بالتوازي “القابلية الإعلامية للتبعية”، ومن هذا المنطلق، وبوصف الدين المركب الحقيقي للقيم الحضارية -حسب مالك بن نبي-، تصير “الضرورة ملحة للاشتغال على إبراز القيم الإسلامية في الإعلام بوسائله المختلفة، وتنزيلها في واقع المجتمعات، كي يتمكن هذا الإنسان من تحرير نفسه من قيود الفلسفات المادية”، ومواجهة الغزو الفكري والقيمي والأخلاقي، لهدف الاضطلاع بمهمته الأرضية؛ أداء رسالة الاستخلاف، والقيام بأمانة العمران البشري بقصد تحقيق الشهود الحضاري كأساسٍ روحي وفكري لنهوضٍ حضاري حقيقي ومستدام.
على هذا تكون الحاجة ملحة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى الإعلام والإتصال القيمي المرتكز على التربية الأخلاقية الإسلامية(8) لتكوين مجتمعات منضبطة أخلاقياً وسلوكياً وحضارياً.
_______________________
(*) ورقة بحثية سبق نشرها ضمن العدد السادس (2022م) من مجلة الاستناد، وهي مجلة علمية محكمة تعنى بالدراسات الشرعية والعلوم الإنسانية، تصدر عن مجموعة البحث مناهج الاستمداد والاستدلال من القرآن والسنة وتطبيقاتها المعاصرة، جامعة القاضي عياض بمراكش.
(1) محمد نصيحي، البعد الإعلامي القيمي في فكر مالك بن نبي، مجلة الاستناد، العدد 6، ص: 229.
(2) المرجع نفسه، ص: 229.
(3) المرجع نفسه، ص: 229.
(4) المرجع نفسه، ص: 230.
(5) المرجع نفسه، ص: 232.
(6) المرجع نفسه، ص: 232.
(7) المرجع نفسه، ص: 232.
(8) أمال عميرات، أبعاد الإعلام والإتصال القيمي داخل المجتمع، قراءة قيمية في الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع المسلم، مجلة الحقوق والعلوم السياسية، العدد 11، ص: 251.
التعليقات