31 أغسطس 2025 / 10:44

الدراسات القرآنية بين القديم والحديث: إبراهيم أصبان

محمد أومليل

رجل من أهل العلم والفكر خلوق متواضع عفوي يجتنب الظهور والأضواء والتنافس على المناصب والرئاسات لا أثر له في مواقع التواصل الاجتماعي إلا فيما ندر، مغمور رغم اشتغاله على ما يكتسي الجدة “نظرية السياق” لها علاقة بموضوع رسالته الجامعية لنيل شهادة الدكتوراه تحت عنوان: “أثر السياق في تفسير القرآن”؛ الرجل ما زال على قيد الحياة، لكن، للأسف كأنه ليس معنا، وأمثاله كثر مغيبون مقصيون، غياب مثل هؤلاء القامات العلمية من الساحة العلمية والإعلامية جدير بالبحث والدراسة ورصد الأسباب الذاتية والموضوعية من خلال منهج مركب ومقاربة شمولية.
بحثت عنه في مواقع التواصل الاجتماعي ولم أجد إلا ما يلي:
“إبراهيم أصبان حاصل على دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية موضوع: (أثر السياق في تفسير القرآن)، خريج جامعة الإسكندرية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني عين الشق بالدار البيضاء، له كتاب: (السياق بين علماء الشريعة والمدارس اللغوية الحديثة)”.
لا أثر له في موقع ويكيبيديا!؟
تعرفت عليه (وأخذت معه صورة تذكارية) من خلال لقاء جمعنا في مائدة مستديرة نظمتها جمعية مسار منذ ما يقرب عن عشر سنوات أو أكثر بمدينة الدار البيضاء، بالإضافة إلى مقال “عربية القرآن” نشره في مجلة الإحياء العدد 27، فبراير سنة 2008.
موضوع الذي اشتغل عليه الدكتور أصبان في غاية الأهمية “نظرية السياق” لفهم النصوص بشكل عام، ولفهم القرآن على وجه الخصوص، على عدة مستويات:
– سياق الآية
– سياق المقطع (يتضمن عدة آيات)
– سياق السورة
– سياق عام للقرآن.
الموضوع ليس بجديد، بل له جذور تاريخية على شكل جنيني في غاية التبسيط وعدم التوسع فيه تم تناوله بشكل عرضي ضمن:
” الثقافة الهندية (بانيني، ياسكا..)، ومع الثقافة اليونانية (سقراط، أفلاطون، أرسطو..)، ومع المسلمين (الشافعي، السرخسي الجرجاني، ابن القيم، الشاطبي..) ومع الثقافة الغربية (برونيسواف مالينوفسكي، جون فيرث..) “(1).
بدأ الحديث عن السياق قديما بشكل بدائي جنيني تبسيطي، أما الآن فقد أصبح علما قائما بذاته له مناهجه وقواعده ومصادره.
“السياق” بشكل عام رهين بمجالين:
– مجال ذاتي نصي قولي لغوي ضمن المسطور أو السمعي.
– مجال موضوعي مقامي بيئي سياسي اجتماعي ثقافي..
في ثلاث كلمات: “لكل مقال مقام”.
استنادا على ما تقدم تفهم دلالات مفردات النص مسطورا كان أو مسموعا.
لنعد إلى أستاذنا، في المجال، (الدكتور إبراهيم أصبان) يحدثنا عن أهمية “السياق” بشيء من التفصيل:
” إن اللغويين الذين حاولوا تفسير القرآن الكريم بمعزل عن مراعاة السياق الذي استعمل فيه القرآن الكلمة وقعوا في أخطاء جسيمة “(2).
وقد ذكر بعض الأمثلة، مرد ذلك إلى أن معاني الكلمات تتغير بتغيير السياق التاريخي:
” تدرس اللسانيات الحديثة التغير الدلالي أو التطور الدلالي فيما يسمى بعلم الدلالة التاريخي؛ محاولة لتقعيد التغيرات التي تحدث للمعنى مع مرور الزمن “(3).
وذلك ملحوظ في عربية القرآن الجديدة مخالفة للمعهود العربي في بعض الكلمات: “عربية القرآن كانت جديدة في كل شيء قام ببيانه، إن الذي أبهر العربي، وهو يسمع القرآن الكريم، هو المعاني الجديدة التي استعمل فيها القرآن الكريم الألفاظ التي يعرفها العربي، ولكن حين استعملت في سياق القرآن الكريم أعطت دلالات لم يعهدها العربي في كلامه”(4).
فالكلمات المستعملة في المعهود العربي بما في ذلك الشعر؛ دلالتها تختلف حين يستعملها القرآن:
“الفرق بين الدلالات التي يحملها اللفظ حين يستعمل في القرآن الكريم وحين يستعمل في الشعر الجاهلي كالفرق بين المطلق والنسبي، فالنسبي لا يمكن أن يحيط بالمطلق أبدا، ولهذا فالاعتماد عليه (أي الشعر الجاهلي) وحده يحجم المعاني العظيمة التي يحملها القرآن المجيد” (5).
وبذلك يفند دعوى الاعتماد على ديوان العرب (الشعر الجاهلي):
“ولهذا فإن الدعاوى التي تدعو إلى تفسير ألفاظ القرآن الكريم بالرجوع إلى اللغة والشعر الجاهلي وحدهما دعاوي ضعيفة تحتاج إلى حجة… مستدلين بقول عمر بن الخطاب: أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم”(6).
ما تفضل به أستاذنا يعد ثورة فكرية!
ويضيف معيار في غاية الأهمية؛ اختلاف السقف المعرفي بين الأزمنة والأشخاص: ” فدلالات الألفاظ تختلف حسب السقف المعرفي” (7).
وقد ذكر العديد من ألفاظ القرآن الكريم التي أعطيت لها دلالات من قبل المتقدمين من أهل التفسير؛ اتضح جليا خطؤها بناء على السقف المعرفي لزمننا المعاصر.
ما تطرق إليه أستاذنا أصبح حديث الساعة بعناوين متعددة:
– علم المصطلح القرآني
– اللسان القرآني
– الكلم القرآني
– مفاهيم قرآنية
– عربية القرآن
– المنهج اللفظي (سوف نتحدث عنه في الفقرة القادمة).
إلى غير ذلك من العناوين التي تندرج ضمنها رصد دلالات جديدة لألفاظ القرآن الكريم وفق مناهج حديثة.
المراجع:
-1، شريفة اليزيدية، الجذور التاريخية للنظرية السياقية، غوغل.
-7،6،5،4،3،2، الدكتور إبراهيم أصبان، عربية القرآن، مجلة الإحياء، العدد 27.