الحرب الظالمة ضد دول الخليج العربي: الطريق إلى المستقبل ليس معبدا
د. علي الصديقي. باحث بحريني
الخليج العربي، يخوض أكبر عملية ابتزاز عسكري منذ الاحتلال العراقي للكويت قبل أكثر من ثلاثين عاماً. وإذا عدنا للتاريخ، فإنه منذ الحربين العالميتين كان يُنظر لدول الخليج على أنها واحات نفطية، فقط لاغير، تعتمد على الحماية البريطانية، تعرّضت بعض منشآتها النفطية للقصف آنذاك، تبعاً لهذا المفهوم. ألغيت الاتفاقيات في سبعينات القرن الماضي وبدأت حكومات دول الخليج الانخراط الجدّي في رحلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الإنسان الخليجي ورفاهيته، غير أن الطريق لم يكن معبداً.
لقد كان غزو الكويت محطة مهمة ودرساً مؤلماً لفهم كيفية التعاطي مع عالم جديد، يقوم على توازن القوى لا ذلك العالم الذي يقوم على تحالفات القبائل. فكانت حرب تحرير الخفجي والكويت-بمشاركة مباشرة من القوات الخليجية- تجربة عسكرية تستحق التوقف، لكنها لم تغيّر من التزام الخليج السياسي بحدود معينة رُسمت بقصد أو بغير قصد في صراعات الشرق الأوسط بسبب تفضيل الاعتماد على قوة حضور الدولة المصرية آنذاك وبالعلاقات والثقة المتميزة المتبادلة التي تربطها مع الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، رحمه الله.
قبل عقدٍ من الزمن، تغيّرت حدود الفعل السياسي تماماً في الواقع بعد أحداث الربيع العربي حينما وجدت دول الخليج نفسها أمام استلام ملفات ثقيلة تتمثل في المهمة العربية التاريخية لإنقاذ الضمير العام والإمساك بالتوازن العربي وإفشال مشروع (أوباما) في المنطقة، ولكنها ظلت -أي الصورة النمطية المغلوطة- مسيطرة على الوعي العربي العام، لم تتغير، وهذا ما يفسر النظرة الفوقية والوصاية التي يمارسها بعض الأخوة العرب، من بقايا العروبية واليسارية الطفولية، هداهم الله. وهو ما يفسر أيضا النظرة الاستعلائية للعدو الإيراني تجاه جيرانه في الضفة الأخرى.
هذا ما يجعل من حرب العدوان الإيراني، تشكّل اليوم نقطة تحوّل مركزيّة جداً في تاريخ دول الخليج العربي، بحيث أخذت تتغيّر معها قطعاً الصورة النمطية البائسة، التي تحاول منذ سنوات تحجيم الدور الخليجي في السياق العربي والعالمي، لتعلن انتقاله رسمياً من مرحلة “التحفظ” إلى مرحلة “الفعل” والقيادة المركزية. مرحلة “الفعل” لم تكن مقصورة على الإسهام السياسي، بل بدأت مبكراً على المستوى الاقتصادي والمالي من خلال الدور الذي لعبته الإمارات بفضل قوة وتعاظم مركز دبي في العالم وصولاً إلى إنطلاق رؤية سمو الأمير محمد بن سلمان الاقتصادية بالمملكة العربية السعودية.
غير أنّ “الفعل” لا تكتمل صورته ومقوماته إلا بالإنتاج الحربي، وتعزيز القدرات والإمكانات العسكرية، وتفعيل التنسيق الأمني والتكامل السياسي. وهو ما تشكّل هذه الحرب فرصة سانحة لاكتشافه بل ومضاعفته مستقبلاً عن واقعه الحالي أربع أو خمس مرات على أقل تقدير، استمراراً لصدمة قوة جدارته المستحقة واللافتة واستبساله في صدّ العدوان الآثم.
الحدث، بسبب ضخامته، صعب التكهن بنتائجه السياسية والعسكرية، وإن كان سيفضي إلى ضعف حتمي للدولة الإيرانية وتقزّم نشاطها في المنطقة. ولكنه واقع ستحصد فيه دول الخليج نتائج إيجابية جداً، بسبب سياسة ضبط النفس التي مارستها طوال فترة الاعتداء. ودورها في عدم الانخراط في حرب نفوذ ليست حربها، وإن تشدقت سلطات الدولة الإيرانية بشعارات فلسطين.
للقيادة، الفعل، التضحية، الرغبة في إحداث التغيير ثمن. للانزواء والخوف من فقدان المنافع أيضاً ثمن. رصيدٌ سيصبّ في مصلحة الخليج العربيّ، بقلبٍ الأسد القوي واستشعار المسؤولية التاريخية. فالخليج العربي قبل هذه الحرب ليس كما بعده.
حفظ الله الخليج العربي، من كلّ مكروه.
التعليقات