التمييز بين العري الأولي والتعري الارتدادي

4 يونيو 2026

 الدكتور رفيق الناوي

هذا جواب على الاعتراضات المتميزة والمتألقة للباحثة أمينة رقيب

أولا؛ في الاعتراضات:

وأهم ما جاء فيها:

1- النقد لا ينكر أهمية الستر، لكنه يطلب تدقيق معنى فطريته.

2- يشير إلى أن الواقع الأنثروبولوجي والتاريخي يكشف اختلافًا واسعًا بين الثقافات في تحديد ما يعدّ سترًا أو عريًا.

3- يرى أن الفطرة قد تتعلق بـ الحياء والخصوصية والحاجة إلى الحدّ، لا بشكل واحد وثابت من أشكال الستر.

4- يؤكد أن أشكال الستر وحدوده تخضع لـ تأويلات ثقافية ودينية واجتماعية متغيرة.

5- يعتبر الاستناد إلى قصة آدم وحواء مشروعًا داخل الرؤية الإسلامية، لكنه غير كافٍ وحده لإثبات الأطروحة في أفق فلسفي أو إنساني عام.

6- ينبه إلى وجود قراءات دينية وثقافية مختلفة للنصوص المؤسسة ولعلاقة الإنسان بالجسد.

7- ينتقد بقوة وأدب رفيع الربط شبه الحتمي بين التعرّي وفقدان الحياء أو الانحدار الأخلاقي.

8- يؤكد أن نقد بعض أشكال التعرّي لا ينبغي أن يؤدي إلى نزع الكرامة أو الإنسانية عن أصحابها.

9- يذكّر بأن الأخلاق لا تختزل دائمًا في نمط اللباس.

10- يخلص إلى أن الحياء نفسه مفهوم متعدد الدلالات تاريخيًا ومجتمعيًا.

ثانيا؛ في التعقيب: (الستر بين الفطرة الوظيفية والتشكل الثقافي)

مادة التعقيب؛ مقتطفات منتقاة من دراستي المعنونة ب “الجسد في الحداثة المتأخرة؛ مصائر الإنسان ومآلاته في زمن التفاهة- من سوسيولوجيا الجسد إلى سوسيولوجيا الستر مساهمة في التقعيد الفلسفي”

لا ينهض القول بأن الستر حاجة وجدانية حضورية على إنكار التعدد الأنثروبولوجي والتاريخي في أشكال اللباس ومعايير الحشمة وحدود العري، بل على التمييز المنهجي بين مستويين مختلفين: مستوى الحاجة الرمزية الأصلية إلى حدٍّ يحمي الجسد من الاستباحة، ومستوى الأشكال الثقافية المتنوعة التي تترجم هذه الحاجة داخل المجتمعات. فالدراسة لا تدّعي أن الستر يتجسد، في كل الثقافات، في هيئة ملبسية واحدة، ولا أن جميع الشعوب ترسم حدود العري بالطريقة نفسها، بل تؤكد أن كل جماعة إنسانية تنتج، بدرجات وصور مختلفة، نظامًا لتنظيم المرئي والمستور، والخاص والعام، والحميمي والمشترك.

ومن ثمّ، فإن التنوع الثقافي لا ينقض أطروحة الستر، بل يدعمها من جهة أعمق؛ إذ لو كان الجسد مجرد معطى بيولوجي محايد، لما احتاجت الثقافات إلى إنتاج هذا القدر من القواعد والرموز والطقوس والمعايير حول اللباس والعري والزينة والحياء والوقار والفضيحة. فالاختلاف لا يقع حول أصل الحاجة إلى تنظيم الظهور، بل حول كيفيات هذا التنظيم، وحدوده، ورموزه، ومقداره. وهذا هو الفرق الجوهري بين القول بفطرية الستر بوصفه حاجة إلى الحدّ، وبين القول بثبات أشكال الستر تاريخيًا وثقافيًا. الفطرة هنا لا تعني وحدة الشكل، بل تعني حضور الحاجة إلى حماية الحميمي من الانكشاف الفوضوي.

ومن داخل هذا الفهم، لا تكون قصة آدم وزوجه دليلًا وحيدًا أو مغلقًا يراد به إلزام جميع الأنساق الفلسفية والدينية الأخرى من خارج مقدماتها، بل تكون تأسيسًا قرآنيًا لرؤية مخصوصة حول الإنسان والجسد والحياء. فالبيان القرآني يكشف أن انكشاف السوأة استدعى مباشرة حركة المواراة، غير أن الدراسة لا تقف عند هذا المعطى وحده، بل تدمجه ضمن بنية تحليلية أوسع تستحضر السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والفلسفة ونقد الصورة والسوق. وبذلك يتحول النص القرآني من مجرد شاهد وعظي إلى أصل تأويلي يُضاء بما تنتجه العلوم الإنسانية من تحليل لشروط الظهور والحدود والحميمية والاعتراف.

أما الاعتراض القائل إن الربط بين التعرّي وفقدان الحياء أو الانحدار الأخلاقي يبدو حتميًا، فيجاب عنه من داخل التمييز المؤسس في الدراسة بين العُري والتعرّي. فالعُري قد يكون حالة طبيعية أو ضرورة أو سياقًا طبيًا أو طقسيًا أو خاصًا، ولا يدخل بالضرورة في دائرة النقد المقصودة هنا. أما التعرّي الذي تناقشه الدراسة فهو التعرّي حين يتحول إلى ممارسة دلالية داخل المجال العام أو الرقمي، وحين يُعاد إنتاجه داخل اقتصاد الانتباه وثقافة الصورة والإشهار والمنصات، أي حين يصبح الجسد واجهة للتداول ورأسمالًا بصريًا قابلًا للاستهلاك.

وبهذا، لا تنصب الدراسة على الأشخاص من حيث ذواتهم، ولا تسعى إلى نزع الكرامة عن المتعرّين، ولا إلى إنكار إنسانيتهم أو قدرتهم على إنتاج المعنى والقيم. فالكرامة الإنسانية أصل سابق على المظهر، ولا يجوز اختزال الإنسان في لباسه أو في لحظة من لحظات ظهوره. غير أن الاعتراف بكرامة الأشخاص لا يمنع نقد الأنساق التي تدفع الجسد إلى التشييء، ولا يمنع مساءلة ثقافة تجعل الانكشاف قيمة، وتحول الحميمية إلى مادة للفرجة، وتجعل المرئية شرطًا للاعتراف الاجتماعي.

لذلك، فالنقد هنا ليس نقدًا أخلاقيًا مباشرًا للأفراد، بل نقد سوسيولوجي وفلسفي لبنية ثقافية معاصرة تُعيد تعريف الجسد داخل منطق السوق والصورة والتداول. وهذا فرق منهجي حاسم: فالدراسة لا تقول إن كل اختلاف في اللباس سقوط في التفاهة، ولا إن كل انكشاف جسدي دليل على فساد أخلاقي، بل تقول إن تطبيع التعرّي بوصفه حرية مطلقة وزينة استعراضية، حين يقترن بتسليع الجسد واقتصاد الانتباه، ينتج آثارًا عميقة على الحياء والحميمية والرغبة والمعنى.

ومن ثمّ، فالستر في هذه الدراسة لا يُقدَّم بوصفه مجرد حكم فقهي أو عرف اجتماعي، بل بوصفه وظيفة بنيوية داخل الاجتماع الإنساني. إنه يحفظ المسافة بين الذات والنظرة، ويمنح الجسد كثافته الرمزية، ويصون الحميمية من الذوبان في المجال العام، ويمنع العلاقة من الانحدار إلى مجرد عرض واستهلاك. أما التعرّي، في صورته السوقية المعولمة، فلا يُنتقد لأنه كشف جسدي فقط، بل لأنه يسهم في نقل الجسد من مقام الوجود إلى مقام العرض، ومن مقام الكرامة إلى مقام القابلية للتداول.

وعليه، يمكن إعادة صياغة الأطروحة في صورة أدق: الستر فطري من حيث وظيفته، ثقافي من حيث أشكاله؛ والحياء إنساني من حيث أصله، تاريخي من حيث تمظهراته؛ والتعرّي ليس موضوع النقد حين يكون حالة أو ضرورة أو طقسًا خاصًا، بل حين يتحول إلى أيديولوجيا للانكشاف وإلى آلية لتسليع الجسد داخل نسق التفاهة. وبهذا لا يعود التنوع الأنثروبولوجي اعتراضًا على الأطروحة، بل يصبح جزءًا من بنائها؛ لأنه يثبت أن الإنسان، في كل ثقافة، لا يعيش جسده عاريًا من المعنى، بل يؤوله، وينظمه، ويضع له حدودًا، ولو اختلفت هذه الحدود من حضارة إلى أخرى. فالجسد في كل المدنيات نص ثقافي ناطق في صمته.

إن المقصود إذن ليس إلغاء التعدد الثقافي، ولا مصادرة كرامة المختلفين، بل الكشف عن قانون أعمق: متى فقد الجسد كل حدٍّ رمزي، ومتى جرى دفعه إلى المرئية المطلقة، ومتى أصبح الاعتراف مشروطًا بقابلية العرض، فإن الإنسان لا يتحرر بالضرورة، بل قد يُعاد إدخاله في نمط أكثر نعومة من السيطرة. ومن هنا يصبح الدفاع عن الستر دفاعًا عن حق الإنسان في ألا يكون كله مرئيًا، وعن حق الجسد في أن يبقى حاملًا للمعنى لا مجرد سطح للاستهلاك، وعن حق الحميمية في أن تصان من الابتذال، لا حكمًا بإدانة كل اختلاف ثقافي في معنى اللباس أو حدوده.

التمييز بين العري الأولي والتعرّي الارتدادي

كما ينبغي، عند استدعاء المعطى الأنثروبولوجي المتعلق ببعض الجماعات التي عاشت أو ما تزال تعيش أنماطًا من العري الأولي، التمييز بين العري بوصفه حالة ما قبل مدنية أو شبه طبيعية داخل جماعات لم تستكمل بعد بناء منظومة حضارية معقدة للّباس والمدينة والمؤسسة، وبين التعرّي بوصفه ممارسة دلالية داخل مجتمعات مدنية عرفت اللباس، وأنتجت نظام الستر، وراكمت رموز الحياء والوقار، ثم عادت إلى تفكيك هذه الحدود باسم الحرية أو الاستعراض أو السوق.

فليس محلّ البحث هنا هو الجماعات الأولية التي لم تبلغ بعدُ درجة عالية من التراكم المدني والرمزي في أنماط العيش، وإنما المجتمعات المدنية التي تشكلت فيها المدينة، والمؤسسة، والأسرة المنظمة، ونظام الزينة، وقواعد اللياقة، وتقسيم المجال بين الخاص والعام. فالاختلاف الأنثروبولوجي المسجل في بعض المجتمعات الأولى لا ينهض حجة كافية على نفي مركزية الستر في الاجتماع المدني؛ لأنه يتعلق بجماعات ما تزال تعيش أنماطًا بدئية من العلاقة بالجسد والطعام والمطبخ والسكن والطقس واللباس، أي جماعات لم يبلغ فيها الجسد بعدُ مستوى عالياً من التوسيط الرمزي الذي تنتجه المدنية.

وهذا لا يراد به تبخيس هذه الجماعات أو نزع إنسانيتها، بل يراد به وضعها في سياقها التاريخي والأنثروبولوجي. فالإنسانية، في منظور هذا البحث، لا تُفهم فقط بوصفها معطى بيولوجيًا مكتملًا منذ البداية، بل بوصفها سيرورة تكامل رمزي وأخلاقي ومدني، ينتقل فيها الإنسان من الطبيعة الخام إلى الثقافة، ومن الحاجة المباشرة إلى الرمز، ومن العيش الأولي إلى المدينة، ومن الجسد الطبيعي إلى الجسد المؤول. لذلك فإن عري الجماعات الأولية لا يُقرأ بالمنطق نفسه الذي يُقرأ به تعرّي الإنسان المدني المعاصر؛ لأن الأول سابق على اكتمال نظام اللباس، بينما الثاني لاحق عليه ومرتدّ عنه.

ومن هنا يصبح الاعتراض الأنثروبولوجي محدود الحجية إذا نُقل مباشرة إلى نقد أطروحة الستر داخل المجتمعات المدنية. ذلك أن البحوث الأنثروبولوجية، في مجموعها، تكشف أن الجسد ما إن يدخل أفق التنظيم المدني والحضاري حتى لا يبقى مجرد مادة عارية، بل يتحول إلى نص اجتماعي تُكتب عليه علامات الانتماء والطبقة والدين والجندر والسلطة والوقار. فاللباس في المجتمعات المدنية لم يكن ترفًا، بل لغةً للهوية، وآليةً للتمايز، ووسيطًا لتنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والمجال العام.

والظاهر في تاريخ المدنيات الكبرى، دينية كانت أو غير دينية، سماوية أو وثنية أو فلسفية أو سياسية، أنه لم تسجل جماعة مدنية مكتملة جعلت العري العام هو الأصل المستقر للحضور الاجتماعي. فقد اختلفت الحضارات في مقدار الستر، وفي شكل اللباس، وفي دلالة الزينة، وفي حدود الحياء، لكنها لم تُلغِ من حيث المبدأ وظيفة اللباس بوصفه علامة تمدن وتنظيم ووقار. فالحضارة اليونانية نفسها، مع حضور العري الفني والرياضي في سياقات مخصوصة، لم تجعل العري قاعدة مطلقة للحياة المدنية اليومية؛ ومصر القديمة والهند والصين وبلاد الرافدين والحضارات التوحيدية جميعها جعلت اللباس والزينة والهيئة جزءًا من النظام الرمزي والاجتماعي.

وهذا هو موضع التمييز الحاسم: العري الأولي قد يدل على مرحلة من مراحل العلاقة غير المكتملة بين الجسد والثقافة، أما التعرّي داخل المدنية الحديثة فيدل على تفكيك لاحق لمنظومة رمزية كانت قد اكتملت. الأول ينتمي إلى ما قبل نضج الحدّ، والثاني ينتمي إلى ما بعد تسييل الحدّ. الأول قد يكون براءة بدئية أو بساطة اجتماعية أو نمطًا أوليًا من العيش، أما الثاني فهو خطاب واعٍ أو شبه واعٍ يجعل الانكشاف قيمة، ويحوّل الجسد إلى واجهة، ويُدرجه في اقتصاد الصورة والانتباه.

لذلك لا يصحّ الاستدلال بعري بعض الجماعات الأولية لنقض أطروحة الستر داخل الاجتماع المدني؛ لأن البحث لا يحاكم الإنسان في طوره البدئي، بل يحاكم الحداثة المدنية حين تعود، بعد كل تراكمها الرمزي والقانوني والجمالي، إلى تمجيد الانكشاف وتسويقه. فالإشكال ليس في وجود جماعة بدئية لم تنتج بعد نظامًا معقدًا للستر، بل في أن مجتمعًا مدنيًا متقدمًا، عرف اللباس بوصفه علامة هوية ووقار، يعود إلى تفكيكه وتحويل العري إلى صناعة، وسوق، وإشهار، وقيمة تداولية.

ومن ثمّ، فإن تنوع أشكال الستر في التاريخ لا يلغي أن المدنية، حيثما ظهرت، قرنت بين اللباس والنظام، وبين الهيئة والوقار، وبين الزينة والشرعية الرمزية. وما تنفرد به الحداثة المتأخرة ليس أنها كشفت الجسد فحسب، بل أنها حوّلت هذا الكشف إلى أيديولوجيا للحرية، وإلى تقنية للتسويق، وإلى معيار للقبول الاجتماعي. وهذا ما يجعل التعرّي المعاصر مختلفًا جذريًا عن العري الأولي: إنه ليس غيابًا بدئيًا للّباس، بل نزعٌ مدنيٌّ للستر بعد معرفته، وتفكيك للحد بعد قيامه، وكفران رمزي بوظيفة الباس بعد أن ثبت تاريخيًا أنه أحد شروط اكتمال الاجتماع الإنساني.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...