التربية الإيمانية ضرورة

"فإسلام التقليد لايحمي من الانحراف في عصر الانفتاح وتقارب العالم ، ولايقي من ذوبان الهوية ولا ضعف الشخصية"

ذ محمد جناي
آراء ومواقف
ذ محمد جناي8 أكتوبر 2020آخر تحديث : الخميس 8 أكتوبر 2020 - 8:39 صباحًا
التربية الإيمانية ضرورة

ذ. محمد جناي
مقدمة:
إن أطفال اليوم هم جيل الغد، لذلك كان للإنتاج المقروء والمسموع في المجال الإيماني والتربوي والفكري والنفسي في مبحث الطفولة أهمية كبرى، ولاشك أن المستجدات السريعة التي تطرأ على العالم بأجمعه ومن ضمنه مجتمعاتنا الإسلامية، وعلى رأسها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وانفتاح أغلب البيوت عليها، يترجم لنا تلك الحاجة إلى إعادة طرح المواد المناسبة لأطفال هذا العصر.

ومع الانفجار التقني والإعلامي المتلاحق والمتجدد بدأت رياح التغيير تهب بقوة، وأصبحت سوق المعلومات بالمزاد، مع كثرة المغشوش منها، وصار لها تأثير أكبر على الشباب الذين ظلوا يعيشون ظمأ معرفيا، وظلت بعض الأسئلة في مراحل طفولتهم ومراهقتهم تحاصرهم دون أن يجدوا من يجيبهم عنها، وربما واجهوا قمعا من والديهم أو أحدهما بسبب حساسية تلك الأسئلة ، أو عدم قدرة ذلك الوالد على توفير الإجابة المقنعة، لكن ذلك القمع لم يلغ تلك التساؤلات العالقة،لتطل مع أول نافذة معرفية يلقاها في طريقه.

والتربية الإيمانية جزء أساس في تربية الطفل ، بل هي الخلفية التي تقبع وراء كل جانب تربوي ليكون حقيقيا وفاعلا، والطفل ـ بذكائه الفطري ـ حينما تتوالى عليه المعلومات الدينية تطرأ في ذهنه تساؤلات كثيرة، ونجد الآباء وللأسف يتهربون من تساؤلاتهم ، أو يتجاهلونهم ، أو يردون عليهم بعنف، ولاشك أن هذا الأمر قد يؤثر سلبا على الأطفال ، وخصوصا أن سنوات الطفولة الأولى لها أهميتها في تكوين رؤية الطفل للوجود ، حيث تعد المفاهيم التي تزرع في عقلية الطفل في هذه المرحلة اللبنة الأساسية التي تشكل شخصية الإنسان في كافة جوانبها المختلفة، والتي ينبغي أن تكون متوائمة مع متطلبات الطفل النفسية والاجتماعية والدينية.

إن الإيمان حقيقة الوجود الكبرى وقضية الإنسان العظمى، فهو مفترق الطرق في مسيرة البشر في الحياة الدنيا: { فَمِنْهُم مَّنَ اٰمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَۖ } (البقرة 251)، وعليه تبنى تصرفاتهم وأعمالهم ، وهو الفارق في مآلهم في الحياة الأخرى، ومن المراحل الفاصلة في حياة الإنسان هي مرحلة الطفولة؛ لأن مايغرس في نفس الطفل أثناء هذه المرحلة من معتقدات وقيم وعادات واتجاهات يصعب ـ وربما يستعصي ـ تغييره فضلا عن استئصاله ، وربما بقي أثره ملازما للفرد طول عمره، لذلك كانت التربية الإيمانية في الطفولة من المراحل التأسيسية التي تبنى عليها حياة الإنسان طول عمره في هذه الدنيا.

ونحن في عصر انصب فيه اهتمام جل الباحثين في التربية على الجانب العقلي والجسمي من التربية، مع إهمال الجانب الإيماني والروحي، فهم يوجهون أطروحاتهم في اتجاه تحقيق الفوز والنجاح الدنيوي بالمعايير المادية ، دون الاهتمام بالصلاح الذي يفضي إلى السعادة الأخروية، وهذا يجعل تنظيرنا التربوي مختلفا اختلافا كبيرا عنهم من هذه الناحية.

ومن هنا يتضح أن أهم موضوعات التربية من حيث المضمون هي التربية الإيمانية للطفل ؛ لأنها تقوم على تأسيس العادات الحسنة وتكوينها، وترسيخ العقيدة الصحيحة في أعماق الفكر والقلب وتعزيزها، والتوجيه إلى الأخلاق الفاضلة وتفعيلها في جميع تصرفاته، في هذه المرحلة العمرية يبني الطفل رؤيته للعالم، ومن خلالها يبني سلوكه وأخلاقه وتعاملاته ،وبحسب تحققها في واقعه تكون سعادته في الدنيا ، ومقدار فوزه في الآخرة ، وحيث إن هذه هي مهمة الآباء والأمهات ، فقد نوه القرآن بذلك ،حيث يقول الله تعالى :{يُوصِيكُمُ اُ۬للَّهُ فِےٓ أَوْلَٰدِكُمْۖ} (النساء 11)، بل نص النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك صراحة حيث يقول :{ما من مولود إلا يولد على الفطرة ،فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه}(رواه البخاري)، وعليه ؛فإن إسلام التقليد لايحمي من الانحراف في عصر الانفتاح وتقارب العالم ،ولايقي من ذوبان الهوية ولاضعف الشخصية.

أولا :النمو الديني عند الأطفال
إن الدين يبدأ عند الطفل فكرة واحدة ـ وهي فكرة وجود الله ـ ثم لايلبث أن تظهر إلى جانبها أفكار أخرى ـ كفكرة الخلق والآخرة والملائكة والشياطين ـ، وتتميز مظاهر النمو الديني في الطفولة بأربع خصائص:

*الواقعية: حيث يضفي الطفل على مفاهيمه الدينية واقعا محسوسا، وكلما نما تدرج في تجريده ،وأدرك الحقيقة ، ووضعها في نصابها في مرحلة المراهقة.

*الشكلية (الصورية): حيث يقلد الصغير الكبار في عبادتهم وأدعيتهم شكلا من غير أن يدرك معناها أو يشعر بسموها الروحي ،وجدير بالمربي أن يستفيد من ميل الصغار في هذه المرحلة ليعودهم أركان الإسلام وأخلاقه، وأركان الإيمان وآثاره.

*النفعية: حيث يدرك الصغير سرور والديه ومعلمه ومن حوله ، لأدائه بعض العبادات ، فيفعل هذا كسبا لحبهم ، ووسيلة لتحقيق بعض منافعه، أو لدفع عقوبة تلحق به .

*التعصب: حيث يتعصب الطفل لدينه تعصبا وجدانيا بدافع حاجته الغريزية الفطرية إلى الانتماء والولاء ، وأرفع صور الانتماء الولاية لله عز وجل (1).

ومما سبق ؛ ندرك أهمية التركيز على التربية الإيمانية ، وأنه يجب على الوالدين والمعلمين أن يسعوا بجد لتقريب الإيمان للناشئة ـ خصوصا في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والصوارف والملهيات وتنوعت أساليبها ـ ، ومن أهم الأمور التي ينبغي العمل عليها إذكاء الفطرة في نفس الطفل، والتي تتمثل في تعليم الطفل كلمة التوحيد ، وتليها تدعيم الإيمان بأركان الإيمان الستة ، والتي تقوم على ترسيخ حب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وتعليم القرآن (2).

ثانيا : محاور التربية الإيمانية
إن الواجب على الآباء أن يعلموا أولادهم مايرسخ إيمانهم ، ويقوم سلوكهم وأخلاقهم، ويعزز شعورهم بالانتماء إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي مقدمة مايندرج تحت هذا المعنى:

* تعليم أركان الإيمان الستة ، والإيمان المجمل بشمولية الشريعة ومناسبتها للفطرة والطبيعة الإنسانية، مع مراعاة الابتعاد عن التلقين الصوري الذي يفقد روح الإيمان ، والحرص على أن يكون ذلك بطريقة عملية توقظ القلوب ، وتحرك العقول ، وتهذب السلوك.

* تربية الأولاد على محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة آله وأزواجه وأصحابه أجمعين دون غلو فيهم ولا إجحاف.

* تربية الأولاد على تعظيم الدين وشعائره ، ومظاهره وتحذيرهم من ازدرائها واحتقارها وعدم المبالاة بها.

* تعليمهم أن الإيمان الواجب لا يكمل إلا بالأعمال الصالحة وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فالتربية الإيمانية الصحيحة ضرورية حتى تؤتي ثمارها في الخلق والسلوك والعبادة.

* ترسيخ الإيمان باليوم الآخر في نفوسهم وتعظيمه، وربط الجزاء فيه بالأعمال التي يكسبها العبد في الدنيا.

ثالثا:الأساليب التربوية لغرس الإيمان
ومن الأمور التي تساعد على ترسيخ الإيمان(بعد التمييز) منها:

* تعليم الطفل مقدار عظم هذا الكون ودقة صنعه وإحكامه وإتقانه ، وذلك ليعظم الإله سبحانه ويجله، قال الله تعالى :{صُنْعَ اَ۬للَّهِ اِ۬لذِےٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَےْءٍۖ اِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفْعَلُونَۖ} (النمل90).

* التذكير بحكم الله تعالى في أفعاله ومخلوقاته ؛ وذلك ليحب الله تعالى ويحمده، كالحكمة من خلق الليل والنهار، ومن خلق الشمس والقمر،ومن خلق الحواس: السمع والبصرواللسان وغير ذلك، قال الله تعالى:{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِےٓ أَنفُسِهِمۖ مَّاخَلَقَ اَ۬للَّهُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ(7).

* الاستفادة من القصص الهادفة لتزويد الأطفال بماهو مرغوب فيه والبعد عما سواه ، وينبغي عرض القصة بطريقة تمثيلية مؤثرة ، مع إبراز الاتجاهات والقيم التي تتضمنها القصة، وعن طريق الأناشيد -أيضا- يمكن غرس المثل العليا ، والأخلاق الكريمة ، ويمكن تعريف الطفل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، من خلال عرض سيرته ؛ ليحبه ويطيعه خاصة مايتعلق بطفولته صلى الله عليه وسلم، وأيضا مواقفه مع الأطفال ولطفه معهم ، وذكر مواقفه الأخلاقية الراقية ، وكذلك قصص الصحابة وأمهات المؤمنين وآل بيته رضوان الله عليهم أجمعين(3).

* الاعتدال في التربية الدينية للأطفال ، وعدم تحميلهم مالا طاقة لهم به ، فلا تنسى أن اللهو والمرح هما عالم الطفل الأصيل ، فلا نرهقه بما يعاكس نموه الطبيعي والنفسي، ونكثر من الكوابح التي تحرمه من حاجات الطفولة الأساسية،لأن المغالاة في ذلك وكثرة النقد تؤدي إلى السلبية والإحساس بالذنب .

* غرس احترام القرآن الكريم وتوقيره في قلب الطفل ؛ ليشعر بقدسيته والالتزام بأوامره، بأسلوب سهل جذاب، ويمكن تعليمه بعض تفسير الآيات التي تحتوي على معان عقدية من السور التي يحفظها ومع الإكثار من عرض قصص القرآن الكريم بشكل مبسط ومفهوم.
ــــــــــــــــ
(1): تطور الشعور الديني لدى الأطفال والمراهقين ، د. محمد الخطيب ،صفحة 6.
(2): تربية الطفل في الإسلام ،سيما أبو رموز ،(صفحة 48).
(3): طفل يقرأ ، د . عبد الكريم بكار ، صفحة 67.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.