«التحولات الكبرى في النظام الدولي».. قراءة جيوسياسية جديدة للدكتور إدريس قريش في عالم يعيد تشكيل موازين القوة

خديجة منصور
يشهد النظام الدولي خلال المرحلة الراهنة انتقالا تاريخيا تتداخل فيه تحولات القوة مع صعود فاعلين جدد وتراجع أنماط الهيمنة التقليدية، بما يجعل فهم الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر ضرورة معرفية لفهم مسارات المستقبل. وتبرز ضمن هذا السياق قضايا التعددية القطبية، وإعادة توزيع النفوذ، وتنافس القوى الكبرى على المجالات الحيوية، باعتبارها محددات أساسية لإعادة صياغة العلاقات الدولية.
يقدم الدكتور إدريس قريش، الباحث والمهتم بقضايا الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية، إصداره الجديد «التحولات الكبرى في النظام الدولي»، في محاولة علمية ترصد التحولات العميقة التي يعرفها العالم، وتفكك رهاناتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، ويأتي هذا العمل امتدادا لمسار فكري وبحثي ودبلوماسي، راكم خلاله الدكتور قريش اهتماما خاصا بقضايا النظام الدولي، وتوازنات القوى، والتحولات الإقليمية، مع تركيز واضح على موقع المغرب داخل البيئة الجيوسياسية المتغيرة.
يعكس الكتاب رؤية تحليلية تنطلق من اعتبار أن العالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل شاملة لمراكز التأثير، حيث لم تعد القوة مرتبطة فقط بالقدرات العسكرية، بل أصبحت تتأسس على عناصر متعددة تشمل الاقتصاد، والطاقة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والقدرة على بناء الشراكات الاستراتيجية، إذ يبحث المؤلف في طبيعة التحولات التي تدفع نحو بروز نظام دولي أكثر تعددية وتعقيدا.
يتناول الدكتور قريش في هذا الإصدار صعود التصورات الأوراسية باعتبارها إحدى التعبيرات الجيوسياسية عن التحول الجاري في بنية النظام العالمي، حيث تسعى قوى دولية إلى إعادة تعريف مواقعها وأدوارها في مواجهة التحالفات التقليدية، كما يسلط الضوء على تطور الحضور الروسي في إفريقيا، الذي انتقل تدريجيا من التركيز على البعد العسكري والأمني إلى تعزيز مجالات التعاون الاقتصادي والطاقة والغذاء واستثمار الموارد الطبيعية.
يحلل الكتاب كذلك التحولات التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، باعتبارها فضاء تتقاطع فيه رهانات الأمن الدولي مع صراعات النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. ويبرز المؤلف أهمية هذه المنطقة في الحسابات الاستراتيجية الجديدة، خصوصا في ظل تصاعد التحديات الأمنية، وتغير طبيعة الشراكات الخارجية، وبروز مطالب بإعادة تعريف مقاربات التنمية والاستقرار.
يبرز هذا العمل ، المكانة المتنامية للمغرب داخل هذه التحولات، انطلاقا من موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي، ومن خلال سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الاقتصادي والدبلوماسي في القارة الإفريقية، ويقدم الكتاب قراءة لدور المملكة باعتبارها فاعلا قادرا على التفاعل مع التحولات الدولية وتحويل المتغيرات الجيوسياسية إلى فرص استراتيجية.
يراهن الدكتور قريش من خلال هذا الإصدار على تقديم قراءة تتجاوز الوصف إلى التحليل، عبر تفكيك خلفيات التحولات الكبرى واستشراف انعكاساتها على مستقبل العلاقات الدولية، ففهم طبيعة المرحلة الانتقالية التي يعيشها العالم يشكل، حسب منطق الكتاب، شرطا أساسيا لبناء سياسات أكثر قدرة على التكيف وصناعة التأثير.
يؤكد هذا الإصدار حضور البعد المعرفي في مقاربة قضايا السياسة الدولية، من خلال الجمع بين التحليل الجيوبوليتيكي والرؤية الاستراتيجية، بما يجعله مساهمة في إثراء النقاش حول مستقبل النظام العالمي وموقع الدول في هندسة توازناته الجديدة.
يختتم الكتاب مسارا من البحث والمتابعة والتأمل في قضايا العالم المعاصر، ليقدم للباحثين والمهتمين بالعلاقات الدولية مادة فكرية تسعى إلى قراءة التحولات لا باعتبارها أزمات فقط، بل باعتبارها لحظات تاريخية تحمل إمكانات جديدة لإعادة بناء المكانة وصناعة المستقبل.




التعليقات