التجانية بين المغرب والجزائر: صراع على القلوب والعقول في إفريقيا  

12 فبراير 2026

محمد خياري

إن الزاوية التجانية ليست مجرد طريقة صوفية، بل هي فضاء روحي عابر للحدود، ينساب في القلوب كما ينساب النور في العتمة، ويجمع ما يقارب خمسين مليون مريد عبر العالم. قوتها لا تكمن فقط في الأذكار والأوراد، بل في قدرتها على التأثير في النفوس، وفي بعض الأحيان في مواقف الدول، حتى أن رؤساء دول أفريقية يُعرفون بانتمائهم لهذه الطريقة المباركة. لهذا، فإن موقع التجانية في الخريطة الروحية والسياسية ليس تفصيلاً عابراً، بل هو عنصر استراتيجي في معادلة النفوذ بين المغرب والجزائر.

لقد كان المغرب عبر التاريخ الحاضن الأكبر للتجانية، ومن فاس انطلقت أنوارها لتضيء القارة الأفريقية. ملتقى فاس العالمي للطريقة التجانية، الذي يُنظم تحت الرعاية الملكية السامية، لم يكن مجرد تجمع روحي، بل منصة دبلوماسية ناعمة، تُظهر المغرب كمرجع روحي عالمي، وتُرسخ صورته كبلد يجمع بين الأصالة الروحية والقيادة السياسية. غير أن ضعف هذا الملتقى في السنوات الأخيرة ترك فراغاً، فتح الباب أمام الجزائر لتتحرك في اتجاه ملء هذا المجال، محاولةً أن تجعل من التجانية ركيزة في سياستها الأفريقية.

الجزائر تدرك أن النفوذ الروحي في أفريقيا لا يقل أهمية عن النفوذ الاقتصادي أو العسكري، ولذلك بدأت تستثمر في علاقتها بالزاوية التجانية، محاولةً أن تُعيد توجيه البوصلة نحوها. وما وقع في السنغال مؤخراً، من استقبال رئيس الجمهورية لما يُسمى بالخليفة العام للطريقة التجانية الجزائري، ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على أن الجزائر استطاعت أن تُحدث اختراقاً في بلد يُعتبر حليفاً استراتيجياً للمغرب.

الرياضة كثيراً ما تكون مرآة للسياسة، في كأس إفريقيا الأخيرة، اتخذت السنغال مواقف بدت وكأنها تُضر بصورة المغرب، يظهر أن التحولات ليست سطحية. فالسنغال، التي كانت تُعتبر دائماً في الصف المغربي، بدأت تُظهر إشارات انزياح، وهو ما يجب أن يُقرأ بجدية. فالمسألة ليست مجرد مباراة كرة قدم، بل انعكاس لصراع أعمق على النفوذ الروحي والسياسي في القارة.

المغرب لا يمكن أن يتعامل مع هذا الملف بروح الاسترخاء، فالمسألة تمس صورته ومصالحه الاستراتيجية. وإذا كانت الجزائر تتحرك بخطى ثابتة نحو استقطاب التجانية، فإن المغرب مطالب بإعادة إحياء دوره الروحي، واسترجاع زمام المبادرة، وإبراز مكانته كمرجع روحي عالمي. الصراع هنا ليس مادياً، بل هو صراع على القلوب والعقول.

الزاوية التجانية تُشكل شبكة روحية تمتد من المغرب إلى غرب أفريقيا، ومن أوروبا إلى آسيا. ومن يملك القدرة على توجيه هذه الشبكة، يملك نفوذاً يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية. لهذا، فإن المغرب إذا أراد الحفاظ على مكانته، عليه أن يُعيد الاعتبار لهذا البعد الروحي، وأن يُدرك أن المنافسة مع الجزائر ليست فقط في الاقتصاد أو السياسة، بل في المجال الروحي الذي يُشكل أساساً للشرعية والقيادة في أفريقيا.

وهنا يبرز دور شيخ الطريقة التجانية المغربي، الذي لا ينبغي أن يبقى في موقع الانتظارية، بل أن يُفعل دور إمارة المؤمنين داخل الزاوية ومريديها، خصوصاً في أفريقيا وأوروبا، ليظل المغرب قبلةً للروح، ومرجعاً للقلوب، ومنارةً للنفوذ الروحي الذي يُعيد التوازن إلى معادلة السياسة والنفوذ في القارة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...