التاريخ والمعنى في مواجهة واقع المشيخة… مساءلة نقدية للزاوية الوزانية

27 ديسمبر 2025

محمد التهامي القادري

في تاريخ الزوايا المغربية الكبرى، لم تكن الزاوية الوزانية استثناء ولا هامشا عابرا في المشهد الديني والاجتماعي، بل كانت بنية معرفية ورمزية مركبة، تنهض بوظائف التأطير الروحي، والتوجيه القيمي، وصناعة المعنى داخل سياق اجتماعي وسياسي معقد. لقد تأسست الزاوية، في عمقها التاريخي، باعتبارها فضاء لتكوين الإنسان قبل أن تكون مجالا للطقوس، ومؤسسة تُنتج الشرعية القيمية وتؤسس لها، قبل أن يُختزل دورها لاحقا في مظاهر الاحتفال والانتساب الشكلي. ومن هذا المنطلق، فإن مقاربة واقعها الراهن، خاصة على مستوى مشيختها، لا يمكن أن تتم بمنطق التقديس أو المجاملة، بل بقراءة تحليلية نقدية تستحضر الوظيفة قبل الشكل، والمعنى قبل الامتياز.

 

إن أخطر ما يتهدد الزاوية الوزانية اليوم لا يتمثل في التحولات المجتمعية المتسارعة، ولا في التحديات الخارجية التي تواجه المؤسسات الدينية التقليدية، بل في القطيعة الصامتة بين المشيخة وذاكرتها المؤسسة. فحين تنفصل القيادة الرمزية عن شروطها المعرفية والقيمية، وحين تُدار المشيخة استنادا إلى واقع الحال أو على أساس شرعية شكلية خالية من العمق والمعنى، يصبح التاريخ عبئا يُستدعى للتبرير لا للإلهام، ويغدو الماضي ديكورا رمزيا يُوظف عند الحاجة ويُقصى حين يفرض مساءلة محرجة. لقد كانت المشيخة، في تقاليد الزاوية الوزانية، تكليفا لا تشريفا، ومسؤولية ثقيلة لا امتيازا اجتماعيا. فهي موقع لضبط التوازن بين الروحي والاجتماعي، وبين الذاكرة والفعل، وبين الاستمرارية والتجدد. والمشيخة التي لا تمتلك أدوات الفهم العميق لوظيفة الزاوية، ولا تستحضر شروط العلم والأهلية والقدرة على التأطير، تتحول – وإن حملت الاسم والصفة – إلى عنصر ارتباك داخل المؤسسة نفسها. فالمشيخة التي تُفرغ من بعدها المعرفي والقيمي تفقد قدرتها على التوجيه، وتتحول من رمز للاستقرار والطمأنينة إلى مصدر يقوض الثقة وينهك المعنى الذي بنيت عليه مؤسسة الزاوية.

 

ولا يكمن الإشكال الحقيقي في تعدد الأصوات الناقدة أو في وجود اختلافات داخل محيط الزاوية، فذلك علامة حيوية لا دليل ضعف، وإنما يكمن في غياب قراءة نقدية جادة لمسار المشيخة وأدوارها وتحولاتها. فالتاريخ لا يُساء إليه حين يُناقَش ويُساءَل، بل حين يُجَمّد في صيغة قدسية تمنع مساءلته، أو حين يُستعمل لتبرير اختلالات الحاضر. عندئذ تتحول الذاكرة من مصدر قوة إلى عبء ثقيل، وتغدو الزاوية كيانا يكرر ذاته دون أثر فعلي في محيطه. إن المؤسسات الرمزية الكبرى لا تستمر بقوة اسمها ولا بثقل تاريخها فقط، بل بقدرتها على الإصغاء لأسئلتها الداخلية. وحين تنقطع الصلة بين الذاكرة والفعل، تصبح المشيخة عنوانا بلا مضمون، ويتحول الإرث التاريخي إلى اسم كبير معلق في الفراغ، بلا وظيفة واضحة في الحاضر ولا أفق في المستقبل. فالزاوية الوزانية، بوصفها مؤسسة حية، مطالبة بإعادة وصل ما انقطع بين المعنى والقيادة، وبين الوظيفة والشرعية. من هنا، فإن إعادة الاعتبار للزاوية الوزانية لا تمر عبر الدفاع غير المشروط عن المشيخة، ولا عبر الاحتماء العاطفي بالماضي، بل عبر مساءلة جريئة ومسؤولة تعيد ترتيب التساؤلات الأساسية: من يحق له أن يحمل هذه الأمانة؟… وبأي شروط علمية وقيمية؟… ولأي وظيفة رمزية واجتماعية؟… فالمؤسسة التي تعجز عن نقد ذاتها، تعجز حتما عن حماية معناها. وهكذا، تبقى التساؤلات مفتوحة، لا بوصفها اتهاما ولا تلميحا ملغوما، بل باعتبارها تساؤلات معرفية وقيمية لا مفر منها:

هل ما تزال مشيخة الزاوية الوزانية وفية لوظيفتها التاريخية في التوجيه وصيانة المعنى؟… أم أنها تحولت – دون إعلان – إلى موقع رمزي تحكمه اعتبارات اللحظة الراهنة، بدل الالتزام بأمانة الذاكرة ووظيفتها التاريخية الأصلية؟.

وهل ما تزال الزاوية الوزانية، عبر مشيختها، تؤدي دورها الروحي والاجتماعي في التأطير والتزكية وصناعة التوازن داخل المجتمع؟… أم جرى اختزال هذا الدور في ممارسات فلكلورية ومهرجانية، أفرغت البعد الروحي من معناه، وحوّلت الوظيفة التاريخية إلى طقس احتفالي فاقد للأثر التربوي والإشعاع الاجتماعي؟

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...