البروباغندا الأمريكية وتوظيف ملاحم “الإنقاذ خلف خطوط العدو”
علي البلوي
لترسيخ الرمزية الاستثنائية تتجلى في هذه الرواية، بتفاصيلها التي تحاكي السينما الهوليوودية، الآلة الإعلامية الأمريكية في ذروة نشاطها، حيث لا تكتفي بنقل الحدث الميداني بل تعيد صياغته كملحمة إغريقية معاصرة تخدم أهدافاً تتجاوز مجرد استعادة ضابط أو خبير.
إن هذه السردية هي في جوهرها صناعة للأسطورة، وقراءة دقيقة في سيكولوجية البروباغندا التي تتقن واشنطن توظيفها لبناء صورتها الرمزية الاستثنائية أمام الرأي العام العالمي.
تبدأ هذه الصناعة من هندسة السردية وبناء ملامح البطل في مواجهة المستحيل؛ فالتركيز على تفاصيل مثل “المسدس وجهاز الاتصال” وتسلق جبال بارتفاع 7000 قدم يهدف إلى خلق تباين حاد بين ضعف الإمكانيات الفردية وعظمة الإرادة المدعومة بالتكنولوجيا.
هذا النمط من القصص، الذي يصور “الناجي الوحيد” (The Lone Survivor)، يسعى لإيصال رسالة مفادها أن المقاتل الأمريكي غير قابل للانكسار حتى في أكثر البيئات الجغرافية تعقيداً، وفي الوقت ذاته، يتم توظيف هذا التحدي للطبيعة لتعظيم الإنجاز العسكري وتصويره كخرق للمألوف، مع صبغ أراضي الخصم بصبغة “البيئة المعادية” التي تبرر التدخل تحت شعار الإنقاذ الأخلاقي.
ويظهر الاستدعاء الرمزي لـ “تورا بورا” كمحاولة واعية للهروب من عقد التاريخ؛ فربط كهوف إيران بكهوف أفغانستان ليس عفوياً، بل هو استغلال لذاكرة الجمع العالمي التي تربط تلك الجغرافيا بالفشل في مطاردة قادة القاعدة. هنا، تحاول الرواية الأمريكية “تطهير” ذلك الإخفاق القديم عبر الإيحاء بأن القوات الخاصة اليوم باتت تمتلك اليد الطولى التي تطوع المستحيل، محولةً الانكسارات الماضوية إلى انتصارات حالية تعيد ترميم صورة الردع.
أما التضخيم الرقمي واللوجستي، فهو يعمل كأداة للترهيب النفسي تتجاوز حدود الجندي الناجي لتخاطب غرف القرار لدى الخصوم؛ فحين يُعلن عن مشاركة مئات العناصر وعملاء الاستخبارات وحملات التضليل، تكون الرسالة الضمنية هي القدرة على اختراق السيادة والتحكم في تدفق المعلومات داخل أرض العدو.
وحتى التفاصيل التي قد تبدو سلبية، مثل “تفجير الطائرتين المتضررتين”، يتم تدويرها إعلامياً لتظهر كقرار احترافي استباقي يمنع العدو من حيازة التكنولوجيا، بدلاً من الاعتراف بها كخلل فني، تأكيداً على مبدأ “نحن لا نترك أحداً خلفنا مهما كان الثمن”. وفي نهاية المطاف، تأتي لغة “أمسكنا به” لتنقل الحدث من الميدان العسكري إلى منصة النصر السياسي؛ إذ يحول التصريح الرئاسي المباشر العملية إلى إنجاز شخصي يغلق ملف السردية برواية واحدة لا تقبل الجدل.
إن هذا الاستخدام للغة بسيطة وقوية يهدف إلى استهلاك الحدث محلياً عبر دغدغة مشاعر الناخبين بصورة “الرئيس القوي”، وتثبيت الهيبة الدولية عبر فرض الرواية الأمريكية قبل ظهور أي رواية مضادة. إن المبالغة في هذه الملحمة ليست مجرد تسويق، بل هي استراتيجية “ردع نفسي” تجعل الخصم يتردد أمام قوة تُصور نفسها دائماً بأنها “الأسطورة التي لا تُقهر”.
ملاحظة:
الدعاية المحبكة تجعل للسلعة الرخيصة قيمة استثنائية، لكن خطورتها سرعة الانكشاف وضعف إمكانية الترميم لكن خبير الدعاية والإغراق المعلوماتي يميل الى ذاكرة السمكة وتشتيت التركيز وتكريس صورة دون مزيدا من البحث وعناء التفكير.
التعليقات