الانضباط الإيجابي: مقاربة سلوكية تفهمية بين التدخل المدرسي والمسؤولية الوالدية
محمد أحدو
يعتبر الانضباط الإيجابي ثورة في المفاهيم التربوية المعاصرة، حيث ينتقل بالعملية التوجيهية من سياق الإكراه والضبط الخارجي إلى فضاء الفهم الذاتي والوعي بالمسؤولية. وتتأسس مرجعية هذا الأسلوب، كما صاغتها كل من “جان نيلسن” و”لين لوت”1، على نموذج علمي يسعى لبناء مقاربة سلوكية تفهمية، تمنح الطفل فرصة حقيقية لدراسة أثر سلوكه والوعي بنتاجه انطلاقاً من دوافعه الذاتية، وبعيداً عن الوصاية المباشرة أو التوجيه الفوقي التقليدي. هذا التحول الجذري في النظرة إلى الطفل ككائن قادر على التقييم الذاتي دفع العديد من المنظومات المدرسية الحديثة خاصة الانغلوسكسونية إلى تبني هذا الأسلوب، إيماناً منها بأن الانضباط الحقيقي هو الذي ينبع من الداخل ويستمر مع الفرد كمنهج حياة، وليس مجرد استجابة مؤقتة لسطوة القوانين المدرسية.
ولتحقيق الغايات المرجوة من هذا الفعل المدرسي وضمان استدامته، لم تكتفِ المقاربة بالعمل داخل أسوار المؤسسة التعليمية، بل امتدت لتشمل الأسرة باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأول، حيث اعتمدت “جان نيلسن” على الورشات التدريبية الموجهة للآباء والأمهات كأداة محورية لتنزيل هذا الأسلوب التربوي. وتأتي هذه الورشات ضمن رؤية تربوية شمولية تهدف إلى إدماج أولياء الأمور في عملية تهيئة الأبناء للاندماج في سياق مدرسي منفتح، مما يخلق نوعاً من التناغم بين ما يتلقاه الطفل في المنزل وما يمارسه في المدرسة. إن هذا التكامل الوظيفي يسعى أساساً إلى تخفيف الضغط الملقى على عاتق المدرسة في قضايا إعادة التأهيل وتقويم السلوك، عبر إسناد مباشر للأهالي للقيام بمهامهم الجوهرية في الإعداد النفسي والسلوكي وتثبيت الاستعدادات الأولية للاندماج الاجتماعي.
إن جوهر هذه المقاربة يكمن في إعادة تعريف الأدوار وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسة والأسرة؛ فبينما يتولى الآباء مهمة الضبط القيمي وتنمية الرقابة الذاتية لدى أطفالهم، تتفرغ المدرسة لمهامها الأساسية في التكوين المعرفي والبناء الفكري. وبدلاً من استهلاك الزمن المدرسي الثمين في معالجة الانحرافات السلوكية والقيام بمهام الضبط التي تعد في الأصل جزءاً لا يتجزأ من المهام الوالدية، يصبح الفضاء المدرسي بيئة خصبة للإبداع والتحصيل العلمي. وبذلك، يشكل الانضباط الإيجابي جسراً تربوياً يعيد للوالدين دورهم القيادي في التنشئة، ويمنح المدرسة الفرصة للارتقاء بجودة التعليم في ظل مناخ يسوده الاحترام المتبادل والوعي المشترك بالنتائج والمسؤوليات.
المرجع
1. Nelsen, J., & Lott, L. (2012). La discipline positive: En famille, pour élever des enfants confiants et responsables. Traduit de l’américain par Bernadette Lemoine. Paris: Éditions du Toucan (réédité chez Marabout).
التعليقات