الاستخلاف والقرار: منطق قرآني لحماية الإنسان
كريمة العزيز
إذا تأملنا الحوار القرآني بين الله وملائكته في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 30، فإننا لا نقف أمام قصة جعل وخلق فحسب، بل أمام تأسيس قرآني مبكر لسؤال القرار ومسؤوليته، سؤال يتجاوز الزمان والمكان ليخاطب الإنسان كلما امتلك قدرة تؤثر في حياته أو في حياة غيره.
الاستخلاف في الأرض لا يُمنح بوصفه سلطة مطلقة أو امتيازًا غير مشروط، بل يُقدَّم باعتباره اختبارًا دائمًا لمدى وعي الإنسان بحدود ما يملك من قوة أو نفوذ، سواء كان فردًا عاديًا أو صاحب سلطة، وسواء كان قويًا أو ضعيفًا.
ومن هذا المنطلق، لا يُفهم الفساد وسفك الدماء على أنهما قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الوعي عند من يملك سلطة القرار.
يكشف التاريخ الإنساني عن تكرار هذا الخلل؛ إذ تميل القوى الكبرى إلى تحويل تفوقها إلى حق في الفرض والحسم، بينما تميل قوى أضعف إلى تعويض عجزها بخطاب الكرامة والمواجهة غير المتكافئة، فتزج بشعوبها في صراعات تدفع فيها الأرواح ثمن قرارات لم تُتخذ باسم الإنسان بقدر ما اتُّخذت باسمه.
هنا يفرض الواقع السياسي المعاصر سؤالًا جوهريًا: هل للوعي حضور في صناعة القرار، أم أنه يندثر أمام الأهواء والمطامع ونزعات السيطرة، سواء تجلّت في القوة الاقتصادية والعسكرية، أم في القوة الإيديولوجية العاطفية التي تحرك الجماهير دون حساب للكلفة الإنسانية؟
وفي الحالتين، يكون الإنسان العادي هو الخاسر الأكبر، يُستَخدم شعارًا أو ذريعة، بينما يُهمَّش حقه في الحياة والأمان، والوعي هنا لا يعني الاستسلام للقوة ولا التخلي عن الحق، بل يعني إدراك الواقع كما هو والتصرف ضمن حدوده لحماية الإنسان أولًا، لأن القوة حين لا يضبطها وعي تتحول إلى أداة تدمير، والضعف حين لا يرافقه وعي يتحول إلى مقامرة جماعية يدفع ثمنها الأبرياء، ومنذ البداية، يضع القرآن هذا الميزان الأخلاقي بوضوح؛ فلا يبرّئ القوي لقوته، ولا يمنح الضعيف حصانة أخلاقية بدعوى المظلومية، بل يحمّل كل من يملك سلطة القرار مسؤولية ما يترتب على فعله بمن هم تحت أثر قراره.
في هذا الترتيب الإلهي تكمن الحكمة الكبرى: فالله يعلم ما لا يعلم الملائكة، وترك للمستخلفين عبر الزمان والمكان فرصة اختبار وعيهم وقدرتهم على تحقيق العدل والإنسانية، سواء كانوا أصحاب سلطة قوية أو ضعيفة، ومن هنا، تصبح مسؤولية الاستخلاف اختبارًا مستمرًا، تحديًا دائمًا لكل من يُمنح القدرة على القرار، فالوعي وحده هو ما يجعل القوة أداة حفظ لا إبادة، ويجعل الضعف مجالًا للحكمة لا للاندفاع، وبدونه يتحول الدفاع عن الكرامة إلى تبرير للدمار بدل أن يكون حماية للإنسان.
التعليقات