الاحتجاجات في إيران: قراءة في أزمة النظام والمجتمع

10 يناير 2026

دين بريس ـ سعيد الزياني
ما تشهده إيران اليوم هو لحظة كاشفة لتراكمات عميقة ظل النظام السياسي يؤجل مواجهتها أو يعالجها بأدوات جزئية، حيث تتشكل خلف صور التظاهرات والاحتقان الاقتصادي، أزمة أكثر تعقيدا تمس أسس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتعيد طرح سؤال الشرعية السياسية في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية.

ويخطئ من يختصر ما يجري في العامل الاقتصادي وحده، رغم مركزيته الواضحة، إذ يمثل تدهور العملة وارتفاع معدلات التضخم واتساع الفجوة الاجتماعية شرارة أولى، دون أن تكون كافية وحدها لتفسير اتساع رقعة الاحتجاجات أو تحولها إلى تعبير سياسي مفتوح.

يلاحظ أن الأزمات الاقتصادية رافقت النظام الإيراني في محطات متعددة سابقة، إلا أن المستجد اليوم يتمثل في انتقال الغضب من الهامش الاجتماعي إلى قلب الطبقة الوسطى المدينية، وهي الفئة التي مثلت تاريخيا صمام أمان نسبي للاستقرار الداخلي، بما يعكس تآكلا عميقا في الثقة بقدرة النظام على تصحيح مساره أو تقديم أفق إصلاحي مقنع.

وتكشف الاحتجاجات، في العمق، عن أزمة شرعية تتجاوز حدود الأداء الحكومي لتطال بنية النظام نفسها، إذ دخل النموذج السياسي القائم على توازن دقيق بين المرجعية الدينية والمؤسسات الجمهورية حالة اختلال متصاعد منذ سنوات، بفعل تراجع المشاركة السياسية، وتهميش التيارات الإصلاحية، وتآكل دور المؤسسات المنتخبة، بما رسخ شعورا بأن قنوات التعبير الرسمية فقدت فعاليتها، وأن القرار الحقيقي بات محصورا في دوائر ضيقة غير خاضعة للمساءلة، وهو ما يفسر الطابع المستمر للاحتجاجات حتى في ظل القمع.

وتعكس المقاربة الأمنية التي تعتمدها الدولة مؤشرا دالا على طبيعة الأزمة، إذ تمتلك إيران جهازا أمنيا معقدا وذا خبرة طويلة في إدارة الاضطرابات، أثبت في مراحل سابقة قدرة عالية على احتواء موجات احتجاج متكررة، إلا أن اللجوء المكثف إلى قطع الإنترنت وتشديد الرقابة الرقمية واعتماد خطاب التخوين يكشف، في الوقت ذاته، عن قلق بنيوي داخل السلطة من فقدان السيطرة على الفضاء العام والسردية السياسية، فالدولة التي تشعر بالأمان لا تضطر إلى إسكات مجتمعها رقميا، وهو ما تلتقطه تحليلات غربية عديدة ترى في هذه الإجراءات علامة ضعف أكثر مما هي دليل قوة.

ويفرض المستوى الجيوسياسي قراءة ما يجري في الداخل الإيراني بوصفه امتدادا لموقع البلاد في معادلات الإقليم، فقد تحول الدور الإقليمي الذي لعبته طهران خلال العقدين الماضيين، والذي اعتُبر أحد مصادر نفوذها الاستراتيجي، في نظر شرائح متزايدة من المجتمع إلى عبء اقتصادي وسياسي، حيث بات الإنفاق الخارجي والدعم المستمر لحلفاء إقليميين يُقابل بسؤال داخلي بسيط ومحرج حول ما جناه الإيراني العادي من هذا التمدد، وهو سؤال، وإن لم يرتقِ إلى خطاب سياسي منظم، أصبح حاضرا بقوة في الوعي الاجتماعي، ولا سيما لدى الأجيال الشابة غير المرتبطة وجدانيا بسرديات الثورة والدين والحرب.

وتحذر، في المقابل، معظم القراءات الأكاديمية الجادة من القفز إلى استنتاجات حتمية بشأن سقوط وشيك للنظام، إذ تُظهر التجربة الإيرانية قدرة ملحوظة على التكيف وإعادة إنتاج التوازنات عبر مزيج من القمع الانتقائي، وتقديم تنازلات اقتصادية محدودة، وإعادة تعبئة الخطاب السيادي في مواجهة الضغوط الخارجية، فيما يحد غياب قيادة سياسية موحدة للاحتجاجات وافتقارها إلى برنامج بديل واضح من قدرتها على التحول إلى مشروع سياسي متكامل، رغم اتساعها الاجتماعي.

هذا الوضع يضع إيران في منطقة رمادية: نظام يعاني أزمة عميقة لكنه ما يزال متماسكا مؤسسيا، ومجتمع محتج يملك زخما شعبيا لكنه يفتقر إلى أداة سياسية جامعة.

وبين هذين الحدين، تتفاعل المتغيرات الإقليمية والدولية بحذر واضح، فالقوى الكبرى تدرك أن أي اهتزاز كبير في إيران ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها، من أسواق الطاقة إلى توازنات الشرق الأوسط، وهو ما يفسر ميلها إلى المراقبة أكثر من التدخل المباشر.

ويشكل ما يجري في إيران اليوم اختبارا تاريخيا مزدوجا، يطال قدرة النظام على إعادة تعريف شرعيته وصياغة عقد اجتماعي جديد، كما يطال قدرة المجتمع على تحويل الغضب المتراكم إلى رؤية سياسية واضحة المعالم، في لحظة مفتوحة على احتمالات متعددة لا تسمح بالقراءات التبسيطية ولا بالرهانات السريعة، لكنها تؤكد أن إيران دخلت مرحلة مختلفة ستكون لها ارتدادات عميقة على الداخل وعلى الإقليم معا.

وتطرح بعض القراءات، في ختام هذا المشهد المعقد، فرضية لجوء قوى خارجية إلى استثمار لحظة الاحتجاج الداخلي لشن مواجهة عسكرية تهدف إلى إسقاط النظام بالقوة، غير أن هذا السيناريو، رغم تداوله إعلاميا، يصطدم بجملة اعتبارات استراتيجية تجعل تحققه بالغ الكلفة والمخاطر.

فإيران ليست دولة هامشية يمكن عزلها عن محيطها، وأي حرب مباشرة عليها مرشحة لأن تتحول سريعا إلى صراع إقليمي واسع، تتداخل فيه ملفات الطاقة، وأمن الملاحة، وشبكات النفوذ الممتدة عبر أكثر من ساحة.

اضافة إلى أن التجارب الحديثة تظهر أن الضغط العسكري الخارجي غالبا ما يمنح الأنظمة المأزومة فرصة لإعادة توحيد الداخل حول خطاب السيادة والتهديد الوجودي، بدل تسريع انهيارها، لذلك، تميل معظم التقديرات الجيوسياسية الرصينة إلى اعتبار خيار الحرب، في هذا التوقيت بالذات، أداة غير مضمونة النتائج، قد تعقد الأزمة أكثر مما تحسمها، وتحول الاحتجاجات من عامل ضغط داخلي على النظام إلى عنصر يعاد تطويعه في معادلة صراع خارجي مفتوح.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...