الاجتهاد المقاصدي: نحو إعادة ضبط العلاقة بين النصوص الشرعية وواقع الحياة المعاصرة

2 أبريل 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
ليست الشريعة الإسلامية مجرد منظومةٍ من الأوامر والنواهي تُتلقّى في حدود ألفاظها، ولا هي نسقٌ قانونيٌّ مغلقٌ على ذاته، بل هي بناءٌ معرفيٌّ وأخلاقيٌّ وروحيٌّ متكامل، يقوم على التفاعل العميق بين النص ومعناه، وبين الحكم وعلّته، وبين الظاهر وروحه الكامنة.

ومن هنا كان اشتغال العلماء الراسخين عبر تاريخ الأمة قائماً على تحرّي المنهج الأقوم في فهم الشريعة، بعيداً عن ضيق الحرفية الجامدة، وبعيداً كذلك عن انفلات التأويل الذي يذيب النص في أهواء المتأوّلين. لقد سعوا إلى بناء توازنٍ دقيق بين هذه الأبعاد، بحيث لا يُلغى واحدٌ منها لصالح الآخر، بل تتكامل جميعاً في إطار رؤيةٍ توحيدية تجعل الشريعة نسقاً منسجماً لا تناقض فيه ولا اضطراب.

هذا التوازن المنهجي لم يكن اجتهاداً عارضاً، بل كان تعبيراً عن وعيٍ عميق بطبيعة الخطاب الشرعي ذاته؛ إذ إن النصوص الدينية لا تُفهم في فراغ، ولا تُقرأ بمعزلٍ عن سياقاتها اللغوية والعقلية والواقعية.

ولذلك عمل العلماء على استحضار دلالات النصوص من جهاتٍ متعددة: من جهة اللسان العربي الذي هو وعاء الوحي، ومن جهة المعقول القياسي الذي يكشف عن علل الأحكام، ومن جهة المقاصد التي تعبّر عن الغايات الكبرى للتشريع.

وبهذا الجمع بين اللفظ والمعنى والمقصد، تبلورت طريقةٌ في الفهم تجعل الشريعة حيّةً في واقع الناس، وقادرةً على التفاعل مع مستجداتهم دون أن تفقد أصالتها أو تنحرف عن أصولها.

إن الاقتصار على ظاهر النص دون استحضار مقصده يُفضي إلى نوعٍ من التديّن الشكلي الذي يتمسك بالقوالب ويغفل المضامين، فيتحول النص إلى جسدٍ بلا روح. وفي المقابل، فإن الانفصال عن النص بدعوى المقاصد يفتح الباب أمام تأويلاتٍ لا ضابط لها، تُخضع الشريعة لأهواء الأفراد والجماعات.

وبين هذين الطرفين يتشكل المنهج الأصيل الذي يربط النص بمقصده، ويجعل المقصد منضبطاً بالنص، في علاقةٍ جدلية تُنتج فهماً متوازناً ومثمراً.

ومن هنا يتبيّن أن مقاصد الشريعة ليست عنصراً خارجياً يُضاف إلى النصوص من باب التكميل، بل هي جوهر الشريعة وحقيقتها الباطنة. فالشريعة في عمقها إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وهذه المصالح ليست مفهوماً اعتباطياً أو نسبياً، بل هي مصالح منضبطة بما دلّ عليه الوحي واستقرّ عليه عمل الأمة.

ولذلك كان القول بتعليل الأحكام تعبيراً عن عقلانية التشريع واتساقه، إذ لا يُعقل أن تكون الأحكام الإلهية خاليةً من الحكمة أو منفصلةً عن تحقيق الخير للإنسان.

إن الإقرار بأن أحكام الشريعة معللة بالمصالح والحِكَم يفتح أفقاً واسعاً لفهم التشريع، ويمنح المجتهد أدواتٍ منهجية للتعامل مع النوازل والمتغيرات. فالحكم الشرعي لا يُنظر إليه بوصفه مجرد أمرٍ تعبديٍّ معزول، بل يُفهم في سياق غايته التي يسعى إلى تحقيقها.

وهذا لا يعني إلغاء الجانب التعبدي، بل يعني إدراك أن التعبد ذاته يحمل في طياته معاني تربوية وروحية ومصلحية، حتى وإن خفيت على بعض العقول.

وتتجلّى عبقرية الشريعة في كونها لم تكتفِ بإقرار مبدأ المصلحة، بل قامت بتنظيمه وترتيبه ضمن سُلَّمٍ دقيق يراعي تفاوت الحاجات الإنسانية. فالمصالح ليست على درجةٍ واحدة، بل تنقسم إلى ضروريةٍ تقوم بها حياة الإنسان، وحاجيةٍ ترفع عنه الحرج والمشقة، وتحسينيةٍ تضفي على حياته كمالاً وجمالاً.

وهذا التصنيف لا يعكس فقط رؤيةً فقهية، بل يكشف عن فهمٍ عميق لبنية الحياة الإنسانية، حيث تتداخل الضرورات مع الحاجات، وتُستكمل بالتحسينات في نظامٍ متوازن.

فالضروريات هي الأساس الذي لا تقوم الحياة بدونه، وهي التي إذا اختلّت انهار البناء الإنساني أو تعرّض لضررٍ بالغ. والحاجيات تمثل مستوىً آخر من الاحتياج، حيث لا يؤدي فقدانها إلى الهلاك، لكنه يوقع الإنسان في ضيقٍ وحرج.

أما التحسينيات فهي تلك الجوانب التي تُكسب الحياة بُعدها الجمالي والأخلاقي، وتُضفي عليها طابع الكمال والسمو. ومن خلال هذا الترتيب، يتضح أن الشريعة لا تهدف فقط إلى حفظ الحد الأدنى من الوجود، بل تسعى إلى الارتقاء بالإنسان في مختلف أبعاده.

وفي قلب هذا البناء المقاصدي تتربع الكليات الخمس التي تشكّل محاور الوجود الإنساني: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وهذه الكليات ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي تعبير عن إدراكٍ شامل لطبيعة الإنسان بوصفه كائناً مركباً من أبعادٍ متعددة، ماديةٍ وروحية، فرديةٍ واجتماعية.

فحفظ الدين يضمن للإنسان هويته الروحية ومعناه الوجودي، وحفظ النفس يصون حياته وكرامته، وحفظ العقل يحمي وعيه وقدرته على التفكير، وحفظ النسل يضمن استمرار النوع الإنساني في إطارٍ منضبط، وحفظ المال يؤمّن له الاستقرار المادي الذي تقوم عليه سائر شؤونه.

وكل حكمٍ شرعي، في جوهره، إنما يتحرك في فلك هذه الكليات، إما بحفظها أو بتكميلها أو بحمايتها من الاعتداء. وهذا ما يجعل الشريعة نظاماً متكاملاً لا يقتصر على جانبٍ دون آخر، بل يشمل مختلف أبعاد الحياة الإنسانية. ومن هنا أيضاً يتبيّن أن الحديث عن المقاصد ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة لفهم طبيعة التشريع ووظيفته.

غير أن إدراك المقاصد لا يكتمل إلا بفهم العلاقة بين الغايات والوسائل. فالشريعة لم تضع الأحكام لذاتها دائماً، بل منها ما هو مقصودٌ لذاته، ومنها ما هو وسيلةٌ لتحقيق مقصدٍ آخر. وهذه التفرقة تفتح باباً واسعاً لفهم مرونة التشريع وقدرته على التكيّف مع الظروف المتغيرة. فإذا كانت الوسائل تابعةً للمقاصد، فإن الحكم عليها يتغيّر بتغيّر ما تؤدي إليه من نتائج، مما يتيح للمجتهد أن يوازن بين المصالح والمفاسد، وأن يقدّر الأحكام في ضوء مآلاتها.

ومن هذا المنطلق نشأت قواعد فقهية كبرى تنظّم هذا المجال، مثل قواعد سدّ الذرائع وفتحها، التي تعبّر عن وعيٍ عميق بأثر الوسائل في تحقيق المقاصد أو إفسادها. فليس كل ما هو مباح في أصله يبقى مباحاً في جميع الأحوال، ولا كل ما هو ممنوع يبقى ممنوعاً بإطلاق، بل يُنظر في كل ذلك إلى ما يفضي إليه من نتائج، في ضوء المقاصد العامة للشريعة.

ويبلغ هذا التصور ذروته في مقصد العدل، الذي يُعدّ الجامع الأكبر لكل مقاصد الشريعة. فالعدل ليس مجرد قيمةٍ أخلاقية، بل هو مبدأٌ كليٌّ تتفرع عنه سائر الأحكام، وتدور حوله مختلف التشريعات. فحيثما تحقق العدل، تحقق مقصد الشريعة، وحيثما غاب، وقع الخلل في الفهم أو التطبيق. ولذلك كان العدل هو الميزان الذي تُوزن به الأحكام، والمعيار الذي يُحتكم إليه في الترجيح بين الأقوال والاجتهادات.

إن العدل في التصور المقاصدي ليس مفهوماً ضيقاً يقتصر على القضاء أو المعاملات، بل هو قيمةٌ شاملة تشمل علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبغيره، وبالكون من حوله. فهو عدلٌ في الاعتقاد، وعدلٌ في السلوك، وعدلٌ في التشريع، وعدلٌ في تنزيل الأحكام على الواقع.

ومن هنا كانت الشريعة كلها عدلاً ورحمةً وحكمةً ومصلحة، كما عبّر عن ذلك العلماء، في تأكيدٍ على أن أي انحرافٍ عن هذه القيم إنما هو انحرافٌ عن روح الشريعة، وإن تمّ تحت غطاء التأويل.

وفي ظل هذا الفهم، يتبيّن أن الاجتهاد في الشريعة لا يمكن أن يتحقق على وجهه الصحيح دون استيعابٍ عميق لمقاصدها. فالمجتهد ليس مجرد حافظٍ للنصوص، بل هو فقيهٌ بروحها، قادرٌ على الربط بين جزئياتها وكلياتها، وبين أحكامها وغاياتها. ومن هنا كان فهم المقاصد شرطاً أساسياً للاجتهاد، لأنه يوفّر الإطار الذي تُفهم فيه النصوص، والمعيار الذي تُوزن به الأقوال.

وتزداد الحاجة إلى هذا الوعي المقاصدي في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتعدد فيه النوازل، حيث لم تعد النصوص الجزئية كافيةً وحدها للإجابة عن كل الأسئلة المستجدة، بل لا بد من الرجوع إلى الكليات والمقاصد التي تمنح الفقه قدرةً على التجدّد والاستجابة. وهذا ما يجعل المقاصد أداةً لتقريب الشقة بين العلماء، إذ توفر أرضيةً مشتركة يمكن الاحتكام إليها عند اختلاف الأنظار.

إن إعادة تأسيس الوعي المقاصدي اليوم تمثل ضرورةً ملحّة، ليس فقط لتجديد الفقه، بل لإعادة تقديم الشريعة بوصفها نظاماً حيّاً قادراً على تحقيق العدل والمصلحة في واقع الناس. فهي السبيل إلى تجاوز الجمود الذي يحبس الشريعة في قوالب الماضي، وتجاوز الانفلات الذي يفرغها من مضمونها، نحو فهمٍ متوازن يعيد وصل النص بروحه، ويجعل من المقصد أفقاً موجهاً للفهم والعمل.

وبذلك تستعيد الشريعة وظيفتها الأصلية: هداية الإنسان إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة، في إطارٍ من العدل والرحمة والحكمة. فلا تكون مجرد تراثٍ يُحفظ، ولا مجرد شعاراتٍ تُرفع، بل تكون مشروعاً حضارياً متكاملاً، يربط بين القيم والمصالح، وبين النص والواقع، في رؤيةٍ توحيدية تجعل من الدين قوةً فاعلة في بناء الإنسان والعالم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...