الإمام الأسمر مؤرخا للشيخ الكامل محمد بن عيسى: التأريخ بين الوعي البنيوي والبناء الفكري
9 أبريل 2026
د. أسامة علي بن هامل
رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية
طرابلس.
سبق وأن أشرت إلى أبعاد شخصية أستاذ أساتذة ليبيا، الإمام عبد السلام الأسمر(880هـ/ 981هــ)، وما تتسم به من خصائص متداخلة تتجاوز التصنيف التقليدي للشخصيات الصوفية والتاريخية، مما يكشف عن شخصيته كمؤرخ بمنهج خاص، سواء في نصوصه المنثورة أو في شعره، ضمن قراءة واعية للتاريخ يصوغها في بناء فكري متماسك، لا سيما في قضية التحولات الكبرى في مسار الفكر الإسلامي. وفي سياق سلسلة مقالاتنا “الشيخ الكامل محمد بن عيسى: قراءة حضارية في مشروع صوفي متكامل”، يبرز بُعد بالغ الأهمية يتعلق بأسبقية الإمام الأسمر في التأريخ للشيخ ابن عيسى (872هـ/ 933هــ) مما يفتح أفقا لإجراء دراسات أوسع وأعمق في نصوصه، لاكتشاف نوع جديد من اتجاهات التدوين الصوفي.
والمعروف في التاريخ المغربي أن التأريخ للشيخ ابن عيسى جاء متأخرا نسبيا، إذ أول ترجمة له كتبها المؤرخ المغربي ابن عسكر الشفشاوني في كتابه “دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر” الذي ألفه سنة 983هـ/1575م، أي بعد عامين من وفاة الإمام الأسمر الذي يظهر حضور مبكر في نصوصه، إذ ورد ذكره ثلاث مرات على الأقل: في “الوصية الكبرى” التي أملأها الإمام سنة أواسط رمضان 972هـ/1564م، في قوله: “إخواني أفضل مرابطي الغرب سيدي محمد بن عيسى وسيدي أبي يعزى وأفضل مرابطي تونس سيدي محرز بن خلف وسيدي أحمد بن عروس وأفضل مرابطي طرابلس سيدي سالم المشاط وسيدي أبوجعفر وأفضل مرابطي المشرق الكيلاني والبدوي”، وفي “حزب الطمس”، الذي وظفه لمريديه كأحد أحزاب طريقته العروسية، في قوله: “اللهم أني ادعوك بجميع الأنبياء والأولياء وسيدي ابي مدين وسيدي أحمد البدوي وسيدي عبد القادر الجيلاني وسيدي أحمد بن عروس وسيدي محرز بن خلف وسيدي ابي يعزي وسيدي محمد بن عيسى”. والمرة الثالثة ذكره كناية في رائعته الأدبية التأريخية، قصيدة “سيدي بوراوي فحل ما ينساني”، التي يظهر أنه نظمها في أواسط حياته الكريمة، رضوان الله عليه، في قوله:
أين بوجمرة صاحب العرفاني .. أين العيساوي في الغرب الجواني
وقد نبه شيخنا أحمد القطعاني رحمه الله ورضي عنه، في بحثه الهام “هويتنا في فكر الشيخ عبد السلام الأسمر”، إلى منهج الإمام الأسمر في التأريخ، سواء في النثر أو الشعر، إذ أبان عن نظام دقيق سار عليه الإمام الأسمر في ترتيب الأسماء وإقرانها داخل بنية دلالية متماسكة، حيث لا يأتي الجمع بين الشخصيات في بيت واحد من قصائده مراعاة للوزن أو القافية، وإنما لأسباب عديدة، منها انتمائها إلى مدرسة فكرية واحدة، أو تقاطعها في لحظة زمنية معينة، أو وظيفة أدتها في سياق تطور مدارس التصوف.
وسوف اكتفي هنا بتسجيل هذه الملاحظات العاجلة حول تأريخ الإمام الأسمر للشيخ الكامل ابن عيسى، تاركا التفصيل لمناسبة لاحقة.
1- أفضلية سيدي أبي يعزى وسيدي محمد بن عيسى بين مرابطي الغرب، تكشف عن قراءة الإمام الأسمر العميقة للتحولات البنيوية في تاريخ التصوف في المغرب، وليس كما يتبدى أنها مفاضلة وجدانبية بين الأولياء. وهو ما يثبت عند دراسة الشخصيتين، فأبي يعزى مثل منعطفا بين طورين، تأسيس وتنظيم، بإحداث انتقال نوعي في طبيعة السلوك والتربية، فيما مثل الشيخ ابن عيسى طورا جديد بتأطير المدرسة المغربية بتجديد شاذلي، من خلال ما حمله من مضامين التجديد الجزولي الذي أعاد تشكيل بنيته في مدرسته العيساوية التي صارت فيما بعد أكثر الطرق انتشارا في كل أقطار المغرب العربي، وهذا الاقتران بين الشخصيتين يكشف أن الإمام الأسمر كان يؤرخ لمرحلتين مفصليتين في تاريخ التصوف المغربي، وهو ما يمنح مفهوم الأفضلية لديه دلالة ترتبط بالفاعلية التاريخية والقدرة على فعل التجديد.
2- هذا المعنى يكتسب امتداده الأوضح عند إضافة اسم سيدي أبي مدين في نص حزب الطمس، فهذه الإضافة تدل على قصد الإمام الأسمر للأمر، فسيدي أبومدين أبرز من تجلى فيه التحول الذي تأسس على يد شيخه.
3- يبرز في هذا السياق أن الإمام الأسمر قد اشتغل على رسم خارطة دقيقة لمدارس التصوف في المغرب، حيث قام بــ”تفضيل” شخصيات بعينها محددا مواقعها في المغرب وتونس وطرابلس (ليبيا) ، في مقابل تعامله مع المشرق بصيغة عامة مبرزا شخصيتين مركزيتين في الشرق كله، هما الكيلاني في العراق والبدوي في مصر. هذا التوزيع لا يقصد به الإمام الأسمر نقصا معرفيا صوفيا في المشرق، بقدر ما يعكس عنايته بمناطق الكثافة والتحول داخل جغرافيا الفكر الصوفي، ويعطي للمغرب موقعه في فكر من ناحية تأكيده على الانتماء الليبي للمجال المغربي وليست هامشا تابعا، بل كجزء فاعل فيه من خلال ثنائية المشاط/ أبوجعفر، تقابل ثنائية كبار أعلام التصوف في تونس والمغرب.
ويجب أن لا يغيب عن بالنا أن هذا التفصيل الذي أولاه الإمام الأسمر للمغرب العربي يكشف عن درايته الواسعة وقراءاته العميقة في التاريخ الصوفي المغربي، وعليه يجب علي التأكيد مرة أخرى أن الإمام الأسمر شخصية مركزية تمثل بواكير اشتغال الليبيين على تعزيز حضور البلاد في المجال المغربي من خلال الانتماء الفكري الواعي.
4- الجمع بين نص الأفضلية في “الوصية الكبرى” ونص التوسل في “حزب الطمس” يفتح أفقا لفهم مفهوم “التجديد” في فكر الإمام الأسمر كفعل يعيد ترتيب بنية المدرسة الصوفية من الداخل، وبالقدرة على نقله من طور الى آخر وضبط مساراته بما يضمن الاستمرارية بالتماهي مع ظروف وتحولات كل زمن دون تفريط في الأصول، وهو ما يجعل الشخصيات التي أدرجها الإمام ضمن الأفضلية دقيقا، إذ بالنظر إلى الظروف التي عايشتها هذه الشخصيات نكتشف أنها بالفعل كانت ظروف تحولات عسيرة، وبمعنى آخر فقد أعطى الإمام الأسمر التجديد معنى إضافيا يتمثل في “المرابطة” الفكرية .
5- التأريخ الذي يقدمه الإمام الأسمر في هذه النصوص لا يقف عند حدود رصد واقع المدرسة الصوفية المغربية في عصره في القرن العاشر الهجري، وإنما يتجاوز ذلك ليعكس قراءة تركيبية لمسار تاريخي ممتد يبدأ من لحظة الفتح الإسلامي إلى زمنه كنتيجة التحولات الكبرى التي مر بها التصوف، مُعيدا ترتيبها وقراءتها ضمن قراءته الشامل بما يربط البدايات والمآلات. ويتضح من خلال هذا المنهج أنه لا يتعامل مع هذا الامتداد الزمني كونه تتابعا خطيا للتحولات، وإنما في مراحلة مفصلية تمثلها مرحلتين داخل كل قطر مغربي، حيث تختزل كل مرحلة شخصيتين تمثلان لحظات الانتقال، وعليه فهو يرى المآل الفكري في تونس يمثله أحمد بن عروس، وفي المغرب يمثله محمد بن عيسى، وفي ليبيا بمثله أبوجعفر الجنزوري، العيساوية التي يمثلها محمد بن عيسى، وفي طرابلس التي يمثلها أبوجعفر. واللافت أن الإمام الأسمر يعطي زمنه موقعا وسيطا داخل التاريخ الإسلامي يمثله هو نفسه ضمن هذا السياق باعتباره شخصية مفصلية لانتقال التصوف الى طور جديد.
6- ذكر الإمام الأسمر في ثبته “الأنوار السنية في أسانيد الطريقة العروسية، اتصاله بمدارس متعددة في المشرق، مثل مدرسة ابن عساكر المكية المتصلة بالمدرسة الشامية والعراقية عبر ابن الصلاح والقشيري والنيسابوري، من خلال تلاميذ أبوجعفر الكندي المكي الوافد صاحب المدرسة في جنزور، واتصاله بالمدرسة الجشتية في خرسان من خلال سلسلة شيوخه العروسيين المرتبطة بفتح الله العجمي الخرساني الوافد على تونس، ونصوصه هنا تكشف عن عنايته بالمجال المغربي بشكل كبير جدا، في تداخل واضح بين الامتدادين المشرقي والمغربي. وباعتقادي أن عنايته بالمجال المغربي لكن هذا التداخل تفتح احتمالا أقوى يتمثل في ارتباط أسانيده الفعلية بالشخصيات التي ذكرها في هذا المجال، خاصة إذا ما انتبهنا إلى تصريحه في “الأنوار السنية” بأنه أخذ عن “ثمانين شيخا”، والملاحظ أنه لم يذكر من هؤلاء الشيوخ سوى عبد الله العبادي تلميذ أحمد زروق المغربي، وعبد النبي الجبالي تلميذ أبوجعفر الجنزروي المشرقي، ما يعني أنه قصد ذكر أهم نموذجين في الاتجاهين فقط. ولا ريب في أن هذا العدد الكبير من الشيوخ “ثمانين شيخا” يتجاوز حدود الاستيعاب داخل المدرسة الليبية في تلك الفترة، وهو ما يجعلنا نرجح أن اتصاله بهذا العدد من الشيوخ لم يقتصر على المجال الليبي، فربما امتد عبر سلاسل ترتبط بالشخصيات المجددة التي أشار إلى أفضليتها في المجال المغربي. وفي سياق الحديث عن الشيخ الكامل محمد بن عيسى، يمكن تصور أن هذا الامتداد تحقق من خلال بعض تلاميذه الذين انتقلوا إلى المجال الليبي، ومنهم الشيخ يوسف الفجيجي، تلميذ الشيخ الكامل، الذي التقى الشيخ محمد الحطاب التاجوري في مكة سنة 955هـ،1548م وتدابجا، والشيخ محمد العلام، تلميذ الشيخ الكامل، الذي قدم من فاس في الربع الثالث من القرن العاشر واستقر بطرابلس الغرب، حيث أسس زاوية عيساوية، وإلى جانب هاتين الشخصيتين يظل احتمال مرور شخصيات عيساوية أخرى واردا.
7- يلاحظ أن الإمام الأسمر قد قرن اسم الشيخ محمد بن عيسى بشخصية سيدي بوجمرة، في قصيدته “سيدي بوراوي”، مع التنبيه إلى أن المقصود ليس عبد الله بن أبي جمرة المصري، وإنما عبد الله بوجمرة الصوفي التونسي دفين توزر، وهو اقتران ينبه إلى جملة من الدلالات التي تستحق التأمل، فالعلاقة بين بويعزى وبوجمرة تبدو لافتة، حيث يشتركان في سمة الأمية. فمع شهرة أبو يعزى بأنه أمي، يجدر الانتباه إلى أن الإمام الأسمر وصف بوجمرة “بصاحب العرفاني” في إشارة إلى العلوم الوهبية لا الكسبية، وعلاوة على انتمائهما للمجال المغربي يزداد هذا الترابط وضوحا بالنظر إلى ما آل إليه ضريحمها اللذين تحولا إلى معاقل علمية كبرى؛ فقد بنى السلطان المغربي مولاي إسماعيل على قبر بويعزى ضريحا ومدرسة، كما بنى محمد باي المرادي التونسي قبة لأبي جمرة ومدرسة لا تزال تعرف إلى اليوم بالمدرسة المرادية (العجيب أن بناء كلا السلطانين للمدرستين كان في نفس العام، وهو سنة 1102هــ/ 1690م)، بل في كلا مجال الرجلين، في المغرب وتونس، تنتمي شخصيات علمية بارزة، ففي توزر برزت شخصيات مثل يحيى الشقراطسي التوزري صاحب اللامية في السيرة النبوية وابنه عبد الله، والنحوي التوزري صاحب قصيدة المنفرجة، حيث غلب على هذا المجال الاهتمام بالأدب وعلوم اللغة. وفي المقابل، تحول مجال بويعزى إلى معقل علمي كبير بداية بتلميذه المباشر بومدين الغوث، وانتهاء بالشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي، مرورا بأعلام كبار مثل الإمام الونشريسي والشيخ أحمد زروق والحسن اليوسي وغيرهم. وشخصية ابن عيسى التي قرن الإمام الأسمر بهما الرجلين، مثلت انتقالا فكريا كبيرا في المدرسة الصوفية بطباعها العلمي، إذ لا حصر للشخصيات العلمية التي تنتمي لهذه المدرسة وبرزت في التاريخ المغربي على مدى خمسة قرون.
8- من اللافت أيضا في هذه القصيدة، التحديد الجغرافي الدقيق لموقع الشيخ ابن عيسى من خلال قوله “أين العيساوي في الغرب الجواني”، وهو تحديد يؤكد مرة أخرى على حضور الوعي بالانتماء المغاربي لدى الإمام الأسمر، فلو كان من حدد الموقع خارج الاطار المغربي لاكتفى بقوله “المغربي” إذ ينظر المشارقة للمغرب كوحدة عامة، لكن التحديد من الداخل يقتضي التمييز بين أنحاء المغرب، فــ “الغرب الجواني” يشير إلى أقصى المغرب حيث مدينة مكناس التي يوجد بها مقام الشيخ ابن عيسى، وهو ما يقابل التحديد الجغرافي المتداول بــ”المغرب الأقصى”.
9- وعموما فقصيدة “سيدي بوراوي” برمتها من أهم وثائق التاريخ الثقافي والفكري المغربي في القرن العاشر الهجري، إذ كل ما ورد فيها من شخصيات هي ليبية وتونسية وجزائرية ومغربية، وحتى الشخصيات المشرقية التي ذكرها فيها يلاحظ أنها مغربية أو اندلسية هاجرت الى المشرق، ما يدل مرة أخرى على سعة اطلاع الامام الأسمر على كتب الطبقات والتاريخ والتراجم. والأهم أن بعض الشخصيات التي وثقها الامام الأسمر في هذه القصيدة صارت القصيدة نفسها مرجعا لتوثيق اسمه وتحديد موضعه فقد غبى ذكرته في المصادر تصريحا، وبعضها لم يبق منه سوى التمليح باسمه، ما يضع القصيدة في مستوى من الأهمية في مصادر التأريخ الثقافي المغربي والأندلسي.
التعليقات