الإسلام وأهل الكتاب: قراءة في تاريخ التسامح المنسي
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
يشكّل موضوع العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب أحد أبرز القضايا الفكرية والحضارية التي رافقت نشأة الإسلام وتطوّره عبر التاريخ. فلم يكن الإسلام رسالة دينية منغلقة على أتباعها، بل جاء خطابًا عالميًا موجّهًا إلى الإنسان بوصفه إنسانًا، قائمًا على العدل والرحمة والكرامة والتعارف.
ومن خلال القرآن الكريم والسنة النبوية والتجربة التاريخية، يتضح أن الإسلام أسّس لعلاقة متوازنة مع أهل الكتاب، تقوم على الاحترام المتبادل، وضمان الحقوق، وصيانة الحريات الدينية، وبناء مجتمع متعايش ومتعاون.
وفي هذا السياق ينطلق التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر من مبدأ وحدة الأصل الإنساني، كما يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (سورة الحجرات: 13).
فالاختلاف في الأديان والثقافات ليس مدعاة للصراع، بل مدخل للتعارف والتكامل والتعاون . ويؤكد القرآن هذا المعنى بتكريم الإنسان مطلقًا دون تمييز، إذ يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء: 70)، وهو تكريم شامل لكل البشر بصفتهم الإنسانية، لا بانتسابهم الديني فقط..وفي هذا الإطار، يدعو القرآن إلى الحوار الراقي والاحترام المتبادل مع أهل الكتاب، فيقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة العنكبوت: 46).
فالحوار في الإسلام ليس وسيلة للهيمنة أو الإقصاء، بل أداة للتفاهم وإبراز القيم المشتركة، وترسيخ السلم الاجتماعي والفكري.
ومن أهم المبادئ التي رسّخها الإسلام في علاقته بغير المسلمين مبدأ الحرية الدينية، الذي يشكّل حجر الأساس لأي تعايش حقيقي . فقد قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البقرة: 256)، وقال أيضًا: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: 99). وهاتان الآيتان تؤكدان أن الإيمان في الإسلام قائم على الاقتناع الحر، لا على الإكراه أو الضغط، وهو ما يعكس احترام الإسلام لحرية الضمير والاختيار.
ولم تقتصر هذه الحرية على الجانب الاعتقادي فقط، بل امتدت إلى حماية أماكن العبادة، حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (سورة الحج: 40). وهذه الآية تدل بوضوح على أن الإسلام يدافع عن جميع دور العبادة، سواء كانت للمسلمين أو لغيرهم، باعتبارها فضاءات للعبادة والتقرب إلى الله.
وفي المجال الاجتماعي، فتح الإسلام آفاقًا واسعة للتواصل والاندماج مع أهل الكتاب، من خلال السماح بالزواج منهم وأكل طعامهم، كما ورد في قوله تعالى:﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (سورة المائدة: 5).
وهذا التشريع يعكس رغبة الإسلام في بناء علاقات إنسانية عميقة داخل المجتمع، قائمة على الثقة والتقارب والمشاركة في الحياة اليومية.
كما يؤكد القرآن على مبدأ البرّ والعدل في التعامل مع غير المسلمين المسالمين، فيقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (سورة الممتحنة: 8).
فالبرّ والقسط ليسا مجرد خيار أخلاقي، بل واجب شرعي تجاه كل من يعيش في سلام واحترام متبادل . وقد جسّد النبي محمد ﷺ هذه القيم عمليًا في سيرته وسلوكه، فكان نموذجًا حيًا للتعايش الإنساني. قال ﷺ: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» (رواه البخاري)، كما قام ﷺ لجنازة يهودي، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟» (رواه البخاري ومسلم).
وتدل هذه المواقف على أن الاحترام الإنساني قيمة أصيلة في الإسلام، لا تتغير باختلاف الدين أو العقيدة .
ومن منظور مقاصدي، فإن علاقة الإسلام بأهل الكتاب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحفظ الضروريات الكبرى التي جاءت بها الشريعة، وعلى رأسها حفظ النفس، والدين، والعقل، والمال، والكرامة الإنسانية. وقد أكد الإمام الشاطبي أن الشريعة إنما وضعت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، دون ظلم أو إقصاء.
وقد عبّر كبار العلماء المسلمين عن هذا الفهم الحضاري، فكان الإمام أبو حنيفة يؤكد ضمان الحقوق المدنية لأهل الذمة، وحرمة الاعتداء عليهم، وكان الإمام النووي يرى أن إيذاء غير المسلمين المسالمين محرم شرعًا. واعتبر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أن التعايش من أعظم مقاصد الإسلام في العلاقات الاجتماعية والدولية.
أما في التاريخ الإسلامي، فقد تجسدت هذه المبادئ في نماذج عملية مشرقة، لعل أبرزها تجربة الأندلس، حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود في إطار حضاري واحد. ففي مدن مثل قرطبة وغرناطة، ازدهرت العلوم والفلسفة والطب والترجمة، وشارك في هذا البناء علماء من مختلف الديانات. وكانت قرطبة في أوجها منارة علمية عالمية، يقصدها الطلاب من أوروبا والعالم الإسلامي، في ظل مناخ من الحرية الفكرية والتسامح الديني .
وفي الممملكة المغربية، شكّلت التجربة التاريخية نموذجًا للاستمرارية في التعايش، حيث عاش اليهود والمسيحيون قرونًا طويلة في كنف الدولة الإسلامية، خصوصًا في مدن مثل فاس وتطوان.. وكان اليهود يتمتعون بالحماية القانونية، ويشاركون في التجارة والدبلوماسية والحرف والصناعات، وأسهموا في الحياة الثقافية والاقتصادية للمجتمع المغربي.
ومن الوثائق التاريخية الدالة على هذا النهج الحضاري، العهدة العمرية التي منحها الخليفة عمر بن الخطاب لأهل القدس، والتي ضمنت لهم أمنهم وكنائسهم وأموالهم وحرية عبادتهم، وهو ما يعكس وعيًا سياسيًا وأخلاقيًا متقدمًا بحقوق الأقليات الدينية.
ومن الناحية الفلسفية، يؤسس الإسلام لعلاقة مع الآخر قائمة على الاعتراف بالاختلاف واحترامه، لا على إنكاره أو محاربته. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ (سورة آل عمران: 64)، وهي دعوة للحوار على أساس القيم المشتركة. كما يؤكد القرآن أن التنوع سنة كونية، في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (سورة هود: 118).
غير أن كثيرًا من التوترات المعاصرة ترجع إلى قراءات سطحية أو مجتزأة للنصوص، تتجاهل السياق والمقاصد والبعد الحضاري للدين . وقد حذّر العلماء من هذا المنهج، مؤكدين أن تحويل الدين إلى أداة صراع يفرغه من رسالته الأخلاقية والإنسانية. وقال الإمام الغزالي: “ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، بل العاقل هو من يعرف خير الخيرين وشرّ الشرين”.
وفي عالم اليوم، الذي يشهد تصاعدًا في خطاب الكراهية والصدام الديني، تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة النموذج الإسلامي الأصيل في التعايش، القائم على الرحمة والعدل والحوار. ويمكن للمسلمين أن يستلهموا هذا التراث لبناء جسور التواصل، ومكافحة التطرف، وتعزيز ثقافة المواطنة المشتركة، وترسيخ قيم السلام.
وختاما، إن علاقة الإسلام بأهل الكتاب ليست علاقة صدام أو إقصاء، بل علاقة تكامل حضاري، قائمة على التكريم الإنساني، والحرية الدينية، والعدل الاجتماعي، والتعاون المشترك. وقد جسّد القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي هذا النموذج في صورته المشرقة، خاصة في الأندلس والمغرب، حيث عاش أتباع الديانات المختلفة في ظل ثقافة واحدة وإنسانية جامعة.
وإذا أُعيد إحياء هذا الفهم المقاصدي والحضاري في واقع المسلمين اليوم، فإن الإسلام سيظل كما كان دائمًا: رسالة رحمة، وجسر تواصل، ومنبع قيم إنسانية قادرة على الإسهام في بناء عالم أكثر عدلًا وسلامًا.
التعليقات