الإسلاميون والتاريخ: من نحن الأفضل إلى الإدانة والمحو الكامل
آرام كيوان
إحدى السمات البارزة في علاقة الإسلاميين مع التاريخ الذي يسبقهم، هو أن موقفهم منه لا يقتصر على “نحن أفضل”، بل يتراوح بين الإدانة والمحو الكامل، وهذا يتسرب حتى إلى قطاعات تُجتذب إلى هذا الوعي من خارج المصطلحات القطبية.
التأصيل الفكري نجده عند قطب وجاهليته، بمنطق “الجاهلية” فكل المجتمعات والشعوب والسلطات هي مدانة جملة وتفصيلًا، ولا يخرجها من حالة الجاهلية سوى “العصبة المؤمنة”، وكما نعلم فإن قطب اعتبر نفسه وجماعته العصبة المؤمنة الثانية في التاريخ بعد العصبة المؤمنة الأولى عصر النبوة، وإدانته امتذت لملوك بني أمية وبني العباس.
هذا التعامل الإداني والإلغائي تجدونه عند كل جماعة إسلامية تهيمن ثقافيًا، ولو لم تصل إلى السلطة السياسية، يكفي مثلًا أن تقرأ بعض المسخرة التي يكتبها همج سوريا عن فترة ستة عقود من حكم البعث، مع أن أبسط بحث ينفي مسخرة “النظام العلوي” وما يسمى مظلومية السنة، خاصة في الريف لا أحد كان منضويًا بذلك الحماس مع البعث أكثر من الريف “السني” وعشائره.
سوريا مثال واحد فقط لا أريد التوسع فيه، أريد مثالًا أقرب هو منظمة التحرير وبالذات شخصية القائد ياسر عرفات.
يستهدف الإسلاميون عرفات ومنظمة التحرير لأن نشوء ووجود سماح قام أساسًا على فكرة القطيعة مع المنظمة ونزع صفة “الممثل الشرعي والوحيد” عنها، ويستهدف عرفات بشدة وأحيانًا بالغمز واللمز لأنه تبوأ مكانه كرمز للقضية، لذلك استهدافه يتراوح بين تسقيطه بالكامل أو تحويله إلى مجرد “قائد فتحاوي”.
المهم عند الإسلاميين من هذه العملية أن يبدأوا “تاريخًا جديدًا” فيه مفاهيمهم ورموزهم هي السائدة بعد أن تخلصوا من الماضي “الجاهلي”، وهذا العملية تحتاج إلى اجتذاب قطاعات من خارج الإسلاميين، وهذه العملية تستدعي إدانات من مفاهيم الطرف الآخر تؤدي غرض وضعهم في الجهة الإسلامية، كالتلويح بأوسلو من باب الإدانة الوطنية مثلًا.
كمثال بسيط، وصل القوميون العرب في سبعينات القرن الماضي إلى استنتاج مفاده أن مواجهة بين الفصائل وإسرائيل في فلسطين التاريخية، بدون ظهير عربي، خلاصتها ستكون عملية تسليم أراضٍ لإسرائيل، وهذا الوعي كان غائبًا في السابع من أكتوبر.
وحتى نتائج تتعلق بإسرائيل من الداخل، سمير أمين كان سباقًا في الحديث عن إسرائيل من الداخل فكان يعول على “مشرقة” إسرائيل، صحيح أن “مشرقة” إسرائيل جعلتها أكثر فاشية، ولكن ما يحسب لسمير أمين أنه كان من أوائل من تحدثوا عن النظر إلى تغيرات من داخل إسرائيل.
وهذا لم يقتصر على سمير أمين، واشتمل أيضًا على القادة السياسيين، وأيضًا ممن لم يتنازلوا قيد أنملة عن مبدأ واحد من مبادئهم كحالة جورج حبش. جورح حبش بقي ثابتًا على مواقفه التاريخية ولكن في باب التكتيك لم يهمل التغيرات فكان في المقابلة المطولة معه التي نشرت بعنوان “الثوريون لا يموتون أبدًا” يقول أنه يقبل بدولة على أي جزء من أرض فلسطين كحل مرحلي، والتعويل على إعادة نظر يهود الإسرائيليين بالصهيونية والقوى غير الصهيونية كالحزب الشيوعي ونتوري كارتا.
المشكلة في هذا “التاريخ الجديد” والقطيعة المعرفية مع ما سبق، أنها تعيد نقاشات ومرحلة مضت، وبكلمات أبسط تجعلنا نتوسع في نقاشات الماضي والنهاية تكون نفس استنتاجاته، فتتأخر حركة البناء على هذه الاستنتاج في الحاضر والمستقبل، ويتحول وعي الإسلاميين إلى لا وعي القطاعات والشلل المنساقة وراءهم.
التعليقات