المصطفى الراشيدي
لا يمكن اختزال المشهد الذي شهدته مدينة طنجة في عيد الفطر في صورة مسيرة حاشدة أو تظاهرة تضامنية مع غزة، بل هو تجسيد حي لانفجار تناقضات صامتة بين فصيلين في التيار الإسلامي المغربي: جماعة العدل والإحسان، حركة التوحيد والإصلاح ومعها العدالة والتنمية، إنه تناحر رمزي حول “من يملك الحق في تمثيل الإسلام الميداني” ومن يحتكر الشارع زمن التصدع السياسي والانكماش الشعبي.
يخفي هذا النزاع، الذي انطلق من ساحة التضامن مع غزة، في عمقه سؤالا مركزيا يزداد إلحاحا: هل هو صراع ظرفي مرتبط بحساسيات تنظيمية، أم محاولة مدروسة لإعادة بث الروح في مشروع الإسلام السياسي الذي فقد بريقه بعد أن ذاق مرارة السلطة ثم لفظه الشارع؟
وبعيدا عن الشعارات التي تتغنى بالقضية الفلسطينية، يبدو أن ما جرى في طنجة يعكس عملية “إعادة تموضع” داخل التيار الإسلامي، تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في لحظة سياسية مشبعة بعدم اليقين، وظرفية اقتصادية تطحن الطبقات الدنيا، وتعيد تشكيل المزاج الاجتماعي بطرق غير قابلة للتنبؤ.
في هذه اللحظة بالذات، يطرح الإسلاميون أنفسهم من جديد كبديل أخلاقي وسياسي، لكن عبر “نوافذ القضية”، لا بوابات البرامج، وهذا أخطر ما في الأمر: فحين تفقد الحركات الإسلامية أدوات التأطير السياسي الرصين، تلجأ إلى الساحات العاطفية الكبرى مثل فلسطين، لتعيد إنتاج خطاب المقاومة كأداة لاستعادة شرعية فقدتها بين صناديق الاقتراع وفي مؤسسات الدولة.
بينما اعتمدت جماعة العدل والإحسان “العذرية السياسية” لتأكيد “نقائها التنظيمي” وتمايزها الرمزي، مستثمرة اللحظة الغزاوية لترسيخ موقعها “الأخلاقي”، لجأ حزب العدالة والتنمية وحركته الدعوية إلى الشارع، في محاولة لترميم شرعية متآكلة عقب واقعة التطبيع، واستعادة حضور فقد بريقه داخل المؤسسات.
لكن، ما يجعل هذا التنافس مقلقا هو أنه لا يدار وفق منطق التكامل الإسلامي، بل وفق عقلية “اقتسام الغنيمة الرمزية” في شارع فقد ثقته بالحكومة، والأحزاب، والنقابات، بل حتى بالاحتجاج نفسه، فكل طرف يريد أن يقول للناس: نحن الممثل الشرعي لفلسطين في المغرب، وكأن القضية أضحت مرآة لاختبار الولاء المحلي، لا وجعا إنسانيا يتطلب موقفا جامعا وموحدا.
إن الشرخ الذي عبر عنه بيان الجبهة المغربية لدعم فلسطين، برفض مشاركة من وصفتهم بـ”المطبعين” كان إعلانا ضمنيا عن نهاية أي تقاطع تعبوي بين المكونات الإسلامية، وأما استحضار قيادة الصف الأول في مسيرة طنجة من طرف حركة التوحيد والإصلاح، فقد كان بدوره رسالة سياسية مشفرة إلى الجماعة: “لن ننسحب من الميدان”، وهكذا بين الصمت والرد، اتضح أن ما يجمعهما في الخطاب يفرق بينهما في الاستراتيجية.
هل يتحرك الإسلاميون الآن ضمن سياق وطني فعلي؟ أم خارج السياق التاريخي كله؟
الواقع أن المغرب يعيش لحظة مختلفة: أزمة اقتصادية خانقة، موجات هجرة صامتة، فتور شعبي عام، وشك متصاعد في جدوى التنظيمات السياسية، كلها عناصر تجعل من أي محاولة للعودة إلى الشارع محفوفة بالمخاطر، خاصة حين تدار بأدوات خطاب قديم ووسائل استهلكها الزمن.
والأخطر، أن هذا الصراع بين الحركات الإسلامية قد يفرغ القضية الفلسطينية من رمزيتها الوحدوية، ويحولها إلى ورقة مساومة داخلية في سوق الاستحقاقات المقبلة، بدل أن تكون أفقا جامعا للضمير الجمعي للأمة المغربية، أو هو انخراط في عملية إلهاء عن إثارة المواضع الآنية التي تؤرق الشارع المغربي.
إننا بإزاء لحظة انتقال حقيقية: لحظة تعيد فيها الدولة ترتيب علاقتها بالمجتمع، وتعيد فيها الأحزاب رسم أولوياتها، ويعيد فيها المواطن تقييم ثقته بالجميع، وفي هذا السياق، فإن عودة الحركات الإسلامية إلى الشارع، إن لم تكن مقرونة بمراجعات فكرية وتنظيمية صريحة، فلن تكون سوى محاولة لبعث مشروع سياسي في جسد اجتماعي تغيرت دقاته.
إن الإسلام السياسي، في صورته الكلاسيكية، يعاني اليوم من ضمور في المعنى، قبل أن يعاني من تراجع في المكانة، وأي تناحر حول الشارع أو فلسطين، خارج هذا الإدراك التاريخي، لن يكون إلا محاولة يائسة لحصد ما تبقى من ظل شجرة فقدت جذورها.