الإخوان والحشاشين: قراءة في الفكر والتنظيم
بقلم: الأستاذ أحمد حميدة
الجماعات السرية التي تنشأ في الظلام، وتعمل تحت الأرض، ولها أهداف غير معلنة، وتتمدد في فراغ غفلت عنه الدولة أو سمحت به، ومن ثم تحسن استثماره بما يخدم أجندتها، هي في الحقيقة تشكل خطرا داهما يهدد الأمن ويقوض الاستقرار.
أسس حسن الصباح جماعته كقوة تحمل أيديولوجيا متطرفة، تروم بسط نفوذها، وتتوسل بالعنف لفرض رؤيتها، نشأت جماعة “الحشاشين” في ظل الحكم الفاطمي في القاهرة إبان القرن الحادي عشر الميلادي، وهي الجماعة التي تم تعريفها في المعجم الأوروبي بـ”القاتل المحترف”، ولُقب شيخها الصباح بـ”شيخ الجبل” لتحصنه بقلعة ألموت، وهو المولود في مدينة “قُم” الإيرانية؛ المنتمي إلى المذهب الإسماعيلي النزاري الباطني، واستطاع الصباح أن يبني قاعدة شعبية ويحقق انتشارًا ملحوظًا.
• مركزية المفاهيم رغم تعدد التنظيمات:
ورغم الفارق الزمني بين الحشاشين في العصور الوسطى، والإخوان في العصر الحديث، إلا أن ثمة خيطا ناظما يصل بين الحالتين؛ والتي تتمثل في البناء الفكري والتنظيمي؛ والقدرة على الانتشار والتأثير السياسي والاجتماعي.
وتحاول تلك المقالة تقديم قراءة مقارنة في الفكر والتنظيم، من خلال استكشاف المفاهيم المركزية؛ وتسليط الضوء على الأسس العقائدية التي استندت إليها كل جماعة؛ وتركز القراءة على مسارين اثنين، الأول/ التنظيم الهرمي العقائدي؛ والثاني/ السعي لتوسيع قاعدة التنظيم وبناء حاضنة شعبية عبر الانتشار الأفقي داخل المجتمع؛ ومحاولة الوصول إلى أماكن صنع القرار عبر التوسع الرأسي.
التنظيم العقائدي أو التنظيم الحصن:
رافق ظهور جماعة الحشاشين حالة من الفوضى، وعدم الاستقرار السياسي، وشهد العالم الإسلامي تفككا ملحوظا على العديد من المستويات، وهو ما ساهم في ضعف الدولة المركزية “الخلافة العباسية”، وبالتزامن أيضا مع بدء الحملات الصليبية، ساهم هذا المناخ في ظهور الحشاشين، التي اتخذت من ضعف الدولة سُلَّما لبناء قوتها، حيث كانت الخلافة العباسية تعاني ضعفا شديدا، لدرجة أن الخليفة لم يكن بمقدوره استصدار القرارات الحاسمة والمصيرية التي تمس أمن البلاد، وهو ما دفعه للاستعانة بالسلاجقة الترك لتثبيت حكمه والحفاظ على العرش.
تحت ظلال ذاك الجو المشحون تأسست جماعة “الحشاشين” واتخذت من قلعة ألموت مقرا، ليس بوصفها مكانا للاحتماء، ولكن بوصفها منطلقا للسيطرة وبسط النفوذ على العديد من المواقع الجغرافية والقلاع المحصنة في المدن المختلفة، وأيضا مركزا للدعوة ومقرا للحكم، وداخل أروقتها يُعاد تعريف معاني الحياة والموت والجهاد والنعيم، وأيضا مثَّلت لهم عزلة مكانية بجانب العزلة الشعورية،
تكمن تلك الصيغة بالأساس في العديد من المحاولات الانتقامية من النظم القائمة بوصفها نُظما انحرفت عن “الإمام الحق”، لذلك تم توصيف الصراعات على أنها صراعات ذات أبعاد دينية وليست سياسية.
وبالتالي، كانت فكرة الأممية حاضرة في ذهن البنا أيضا، من خلال بناء تنظيم هرمي يكون حاضنة لجموع المسلمين، وما جعل الفكرة تختمر في ذهنه الواقع الذي عاصره، حيث كان ثمة تراجعا حضاريا ظاهرا للمسلمين، أدى إلى ضعف شديد على كافة الأصعدة، وكان شعورا عاما بالانهزامية هو السائد. وعلى الضفة الأخرى، كانت أوروبا في صعود متنام، ويتم التأسيس لمفاهيم جديدة، في حين أن العالم الإسلامي كان هبوطه حادا وفي تراجع مستمر. وحيث كان السياق الديني والفكري والسياسي يتسم بالسيولة، فاتخذ البنا من تلك الحالة مدخلا لحشد الأتباع تحت مظلة التنظيم الذي يسعى لإحياء “الخلافة الإسلامية”، التي كانت تعبر عن وحدة المسلمين على الصعيد الديني والسياسي، حيث تمثلت تلك الوحدة في أمور ثلاثة بحسب القرضاوي وهي “وحدة المرجعية وهي الشريعة الإسلامية؛ وحدة الدار أي دار الإسلام فهي دار واحدة وإن اختلفت الأوطان؛ وحدة القيادة والممثلة في الخليفة أو الإمام الأعظم الذي يمثل الوحدة السياسية للأمة”. وكون البنا تصورا عن الحالة الإسلامية بشكل عام، وعن الحالة المصرية بشكل خاص، حيث قرر أن “إيمان الأمة مخدر ونائم، وإيمان الإخوان نشط ويقظ”، وظل هذا المُعطى محددا أساسيا يحكم رؤيته للآخر وللعالم، في ظل تلك الحالة أيضا تأسس التنظيم، ليس بوصفه جمعية خيرية تقوم على قضاء حوائج الناس، لكن بوصفه معيارا للانتماء وبوتقة لإعادة مجد الإسلام، ومجتمعا يمارس فيه العضو سائر أوجه النشاط الإنساني، وأيضا تجاوز التنظيم مفهوم الجماعة السياسية الأفقية، التي تسد الثغرات وتملأ الفراغات من واقع أجندة وطنية، إلى الجماعة السياسية الرأسية التي تعتبر نفسها ندا وقسيما للدولة لا قسما منها.
الانتشار وبناء القاعدة الشعبية:
عقب مغادرته القاهرة؛ توجه الصباح نحو أصفهان ليبدأ رحلته في تجميع الأنصار من خلال نشر المذهب الإسماعيلي، وركز الجهود على أقصى الشمال الفارسي، وخاصة الهضبة المعروفة بإقليم الديلم، واستطاع أن يكسب الكثير من الأنصار، حيث كان يتبع نظاما صارما، واشترط مواصفات خاصة فيمن يقع عليه الاختيار، خاصة الشباب حتى يسهل السيطرة عليهم نفسيا، وإعادة صياغة عقولهم بما يتوافق ومرتكزاته الفكرية التي قامت عليها الجماعة، وانتخب من بينهم فرقة سميت بـ”الفدائيين” لتقوم بتنفيذ عمليات اغتيال لرموز سياسية نافذة، أبرزهم “نظام الملك، وأحمد بن محمد اللباد، وعبد الرحمن القزويني، ……” وغيرهم الكثير.
وكان من أهم صفات الأتباع الطاعة المطلقة، والتي تحمل صاحبها على قتل نفسه إن هو أُمر بذلك، ووسع الصباح دوائر انتشاره حيث أطلق المبشرون بمذهبه بين الناس، حتى امتد نفوذهم إلى “كوهستان، قزوين، قهستان” في بلاد فارس، ووصل بدعوته إلى بلاد الشام فسيطر على قلاع حصينة مثل “مصياف، الكهف، القدموس، بانياس، الخوابي، سليمة”، وكانت تكمن استراتيجية الانتشار في الاعتماد على التخفي في الحركة، وشراء القلاع أو السيطرة عليها، والتخطيط لاغتيال المناوئين لإضعاف الخصوم، وبث الرعب في قلوب العامة.
أيضا، اعتمدت جماعة الإخوان في بداية التأسيس لتحقيق الانتشار السريع والتجنيد على العديد من الآليات، ومنها ما يمكن أن نسميه سياسة “القضم السريع” وتعني الإسراع في تجنيد الأعضاء وبناء الحاضنة الشعبية وفتح الشُّعب وعقد المؤتمرات والندوات للتعريف بها وبأهدافها، وكان الوضع الأمني وقتها يسمح بذلك، فانطلق البنا يحشد لجماعته، ووقتها كان يبحث عن المنبر الذي سيوجه من خلاله حديثه لجموع الحاضرين دون ضجيج أو مناقشات تؤول في نهاية المطاف إلى خسارة عضو ربما سيكون يوما ما ترسا في عجلة التنظيم، فكانت المقاهي هي ذاك المنبر الذي وجد فيه بغيته، رجال بسطاء بضاعتهم المعرفية تكاد تكون معدومة، التفوا حوله وتأثروا بخطابه، واتخذوه إماما ومرشدا، وامتد تأثيره إلى العديد من قرى مصر عبر التجول في دروبها، وعقد العديد من الفعاليات التي تعلن عنهم، وحققت الجماعة في عهد البنا انتشارا ملحوظا في “فلسطين، سوريا، الأردن، لبنان” من خلال إنشاء قسم “الاتصال بالعالم الإسلامي” الذي ساهم في التمهيد لانتشار الجماعة داخل العديد من الأقطار العربية، ومنها تنطلق الجماعة لتسود العالم تحت هدف”أستاذية العالم”. وفي العام 1942 انتخب البنا من أعضاء الجماعة بقيادة عبد الرحمن السندي مجموعة”النظام الخاص” ليكون ذراع الجماعة العسكري، كأداة لإسكات الصوت المعارض لأفكار وسياسات الجماعة، ونفذ هذا النظام العديد من عمليات الاغتيال فتم اغتيال القاضي أحمد الخازندار في مارس 1948، وأيضًا في ديسمبر من نفس العام تم اغتيال مصطفى فهمي النقراشي رئيس الوزراء وقتها، عقب إصداره مرسوما بحل الجماعة.
يُظلل فكر الحشاشين فوق أركان الجماعة، حيث تتشابه الأدوار أحيانا كثيرة وإن اختلفت العقيدة الدينية.
التعليقات