الأنس والاستئناس بأجواء رمضان
ذ. إبراهيم أمزضاو
تشدّك في شهر الصيام مشاهد وأجواء لا تتكرّر إلا فيه؛ شهرٌ لا يأتي إلا بخير، نهاره خيرٌ كلّه، وليله خيرٌ كلّه. فلا تكاد تمرّ على المسلم لحظةٌ من لحظاته إلا ويقرأ في صفحاته البيضاء تجلّيات عظيمة وأسرارًا روحانية. ومن بين ما سُطِّر في هذه الصفحات المباركة الأنسُ المتنوّع والاستئناسُ الممتع. ولا يستطيع أحدٌ أن يُحصي هذين الأمرين الجليلين لكثرتهما وتنوّعهما في شهر الغفران، وسأختار بعض النماذج التي يتحقق بها الأنس والاستئناس. فالأنس والاستئناس يشيران إلى معنى الطمأنينة وزوال الوحشة، كما يدلان على الألفة والارتياح لشيءٍ ما، حسًّا كان أو معنى، والسكون إليه؛ وهذا من شأنه أن يبدّد الخوف ويُحدِث الأمن القلبي والروحي بين المستأنسين. ومن خلال هذا التعريف يتبيّن أن معنى الأنس المتداول في أجواء رمضان يتضمّن روحانيات عديدة، أذكر منها ما يلي:
أولًا: الأنس بالله
الذي فرض الصيام وجعل الغاية منه التقوى، كما في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ {سورة البقرة: 183}.
فهذه الآية تعكس قمّة الأنس؛ إذ يترك الصائم شهواته ويمتنع عن ملذاته طاعةً لله. وفي الحديث القدسي:
«يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصومَ، فإنه لي وأنا أجزي به، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» {أخرجه البخاري، رقم: 592}.
وهذا من ثمرات الأنس بالله في رمضان، المحفِّز للصائم على التجرّد من ملذّات الحياة، استحضارًا لمراقبته سبحانه.
ثانيًا: الأنس بالصيام نفسه
فهو سرٌّ بين العبد وربه، يتضمّن الإخلاص والوفاء، ولا يطّلع على حقيقته إلا الله؛ فالصيام عبادة السر. قال رسول الله ﷺ: الصيام جُنّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم… إلى قوله: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» {رواه البخاري، رقم: 1894}. وهذه لذّة لا يتذوّق حلاوتها إلا من استأنس بربه.
ثالثًا: الأنس بالقرآن العظيم
فالقرآن والصيام صنوان لا يفترقان ولا ينفصلان؛ ففي رمضان أُنزل القرآن، وكان النبي ﷺ يعارضه جبريل فيه مدارسةً وتثبيتًا. قال تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ {سورة البقرة: 185}. ولمّا كانت الصلة بين الصيام والقرآن صلةَ تناغمٍ واتحادٍ في الحدث والزمان، نشأت علاقةُ تمازجٍ وانسجام؛ فلا يكاد يمرّ رمضان على مسلم دون أن يكون له مع القرآن وردٌ وتلاوة، كلٌّ بحسب طاقته وجدّه واجتهاده. وقد جاء في الحديث: ” الصيامُ والقرآنُ يَشْفَعانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ: أي ربِّ، إني مَنَعْتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشفِّعني فيه، ويقولُ القرآنُ: مَنَعْتُه النومَ بالليلِ، فشفِّعني فيه؛ فيَشْفَعانِ» {أخرجه أحمد، رقم: 6626}. وهذا لونٌ آخر من الأنس الدائم الذي لا ينقطع.
رابعًا: الأنس بالصلاة والقيام
فهو موردٌ يَرتوي منه الظمآن، ولا يقف بين يدي الله إلا قلبٌ مستأنسٌ منكسِرٌ، يعلم ما للقيام من أثرٍ في تقوية الإيمان وتخليص القلوب من الذنوب والآثام. وما سُنّة التراويح إلا تجسيدٌ لهذا القيام الذي يحيي الأمل في المؤمن، ويُبعِد عنه الآلام، ليظفر بأعلى المقام. وفي الحديث الشريف:
«مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» {البخاري، رقم: 2009}. والعناية بالصلاة في رمضان مشهدٌ ظاهر للعيان، يشترك فيه الكبار والصغار، الرجال والنساء، الشيوخ والشباب؛ مما يؤكّد ما للصلاة من أنسٍ جليٍّ ظاهر، ولا سيما صلاة الجماعة التي تعبّر عن التلاحم والإخاء. فاقتراب الكتف من الكتف، والقدم من القدم، وتنوّع الناس في الصفوف من حيث الجنس واللون والعرق، واختلاف اللهجات واللغات، مع توحّد الحركات وإصغاء القلوب للقرآن، والتأمين والتكبير وسائر أفعال الصلاة؛ كلّ ذلك أنسٌ جماعيٌّ بالله الكبير المتعال. وقد روى مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
«مَن توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه» {مسلم، رقم: 232}. وهذا حظٌّ عظيم من الاستئناس، لا يستشعره إلا من تعلّق قلبه برمضان، صلاةً وجماعةً ونوافل وقيامًا وتهجّدًا.
خامسًا: الأنس بإفطار الصائمين
وهو أن يستأنس المسلم بإطعام الصائمين، دفعًا لجوعهم وعطشهم، وتخفيفًا لآلامهم، فينفق من ماله ابتغاء ما عند الله من الأجر والثواب. قال رسول الله ﷺ: ” من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره، غير أنه لا ينقصُ من أجر الصائمِ شيئًا» {أخرجه ابن ماجه، رقم: 2746}. وبذلك ندرك ما يملكه رمضان من طاقات الأنس التي تُغيّر الروح والوجدان، وتزيد في رصيد الصالحات، وتقوّي الجسور بين الصائم وربه. وهو ما يعكس الأثر الإيجابي العميق للصوم في إصلاح الأفراد والجماعات، وتهذيب النفوس، وكسر الشهوات.
فاللهم اجعلنا من المستأنسين بك حبًّا وطاعةً وامتثالًا، واجعلنا من الصائمين المحتسبين.
التعليقات