الأمير مولاي الحسن والقوة الناعمة
عبد الخالق حسين
1- انطلقت منافسات كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم “المغرب 2025″، مساء الأحد 21 دجنبر 2025، بحفل افتتاح أسطوري في ملعب الأمير مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط؛ وقد صنف الموقع الرسمي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) هذا الحفل كأحد أكثر لحظات الافتتاح “تميزاً” في تاريخ البطولة، حيث مزج بين الموسيقى والإضاءة والحركة والرمزية؛ مما أضفى لوحة بصرية ساحرة أثارت دهشة الجماهير التي تتابع الحدث في إفريقيا خاصة وعشاق الكرة في العالم عامة.
2 – غير أن نجم الافتتاح كان الحضور الباذخ للأمير مولاي الحسن الذي دخل الملعب بخطوات واثقة تحت انهمار الأمطار التي أنعشت الأجواء وأضفت على الحفل جمالية لا توصف.
حيث تقدم الأمير مولاي الحسن للسلام على الطاقم التحكيمي وعلى اللاعبين. ثم أعطى انطلاقة البطولة بلمسة للكرة بقدمه من وسط الميدان؛ كانت احترافية وجميلة.
بعدها؛ وهو يغادر أرضية الملعب يرفع كفه بإشارة “التنويه والتشجيع والرضى” مع التفاتة أخيرة الى لاعبي المنتخب الوطني؛ “التفاتة” تجمع بين الوداع – ولكنه وداع إلى حين – وبين وعد بلقاء قريب.
تبدو يد الضابط خلف ولي العهد “تظهر وتختفي” دليلا على الحماية المؤيدة بالألطاف الخفية. ثم يظهر في المشهد حكام المباراة من افريقيا جنوب الصحراء؛ الذين كانوا بالأمس يستعملون من شياطين التلاعب بنزاهة الكرة لتشتيت شمل قلوب الأفارقة بالزور والبهتان، قبل ظهور ” عدالة جهاز الفار”؛ وهاهم يشهدون اليوم شهادة حق في مباراة النصر وارجاع الحق للأسد المغربي؛ وقد عبر عن هذا الخذلان الفنان المغربي العالمي ريدوان في رائعته “هادو راهم حكرو موروكو”.
وقد شهد جمهور العالم بالرؤية المباشرة، على التميز والتألق المغربي تنظيما واستقبالا؛ وهواستحقاق يستقبله المغاربة بكل تواضع.
3- مبهرة خطوات الأمير مولاي الحسن الواثقة؛ وابتسامته الرائقة، وشخصيته الساحرة وهوعلى أرضية الملعب. غيث الرحمة يبلل معطفه الانيق بلطف، والقطرات تنساب بكل رقة تأدبا مع حضرته.
كان المشهد حاملا إشارة إلى أن “مقام أمير” مبارك تتنزل عليه الرحمات والبركات والأنوار؛ أليس الغيث حديث عهد بالسماء؛ وبالملكوت؟ أليست كل قطرة منه يحملها ملك مطهر؟ ألم يكن الصالحون يخرجون الى الساحات عند نزول الغيث يبللون أجسادهم تعرضا لرحمة وانوار وفيوضات الرحمان؛ تأسيا برسول الله الذي روي أنه عند نزول الغيث يحسر عن منكبيه حتى يصيبه المطر ويقول: “إنه حديث عهد بربه”؟
كان لاعبو المنتخب يتصببون بمياه الغيث من أعلى رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم؛ وقد علت محياهم علامات الخجل عندما رمقوا الامير يوزع نظراته عليهم؛ كانت نظرات أخ ينتظر من إخوته “شيئا مبهجا ومفرحا ومبشرا”؛ تقول نظرات الأمير بلغة صامتة لكنها نفاذة:” أنا قريب منكم؛ سوف أبقى حاضرا معكم؛ فلولا قوانين اللعبة لنازلت الخصم بجانبكم. لا تنسوا أنني معجب بكم، وباخلاقكم، وبقتاليتكم. توكلوا على الله. إنما النصر صبر ساعة”.
4 – الحارس الشخصي للأمير يشير على بعض الصحفيبن بان يلتحقوا بالمشهد الأميري لتوثيق هذه اللحظة المكتنزة بالمشاعر والمحبة والاشارات؛ يرفع الأمير كفه ملوحا الى ” المحاربين” كأنه يحرضهم؛ ويرفع هممهم؛ يذكرهم بأن العالم كله؛ بل الوجود كله؛ وكل قاموس معاني النصر والظفر والانجاز تحفكم الآن؛ وهي في صفكم؛ فالملعب انجاز مغربي مائة بالمائة تخطيطا وهندسة ومعمارا؛ والمدينة عاصمتكم ومجمع تاريخكم وانتصاراتكم وملاحمكم وعاصمة ملككم وشاهد على امبراطوريتكم؛ والجمهور إخوتكم وذوو أرحامكم ومحبوكم. ودعوات الأمهات والآباء والعلماء والاولياء مرفوعة هذه اللحظة تضرعا لنصرتكم؛ ولا تنسوا أن أمير المؤمنين يتابع على المباشر ” اجتهادكم وقتاليتكم”. كأن نظرات الأمير قد بعثت بكل هذا إلى أفئدة “المحاربين”.
5- اسمحوا لي؛ أنا المولع بمنهجية الرصد والتحليل؛ التي تستظهر وتتوسل بالدمج التاريخي وقراءة الاحداث في خلفياتها التاريخية وسياقاتها الحية ورسائلها السيميولوجية؛ فقد أسلمتني قراءتي إلى أن دخول الأمير الحسن إلى أرضية الملعب كان لوحده ” إنجازا تاريخيا”.
تجلى ذلك في مصافحته “اللاعبين/ المحاربين” واحدا واحدا، يدا بيد؛ وهمس الأمير لكل واحد من الأسود بكلمات شريفة لطيفة مجملة بزخات الغيث المغيث؛ وقمصان اللاعبين المشبعة بالماء، ووجوههم المضيئة والمشرقة بطهارة ماء السماء؛ كلها تفاصيل تسافر بنا في التاريخ إلى لحظات ما قبل النصر المبين.
6- تذكرت أجواء غزوة بدر الكبرى؛ حيث ترتسم المفردات والتنويعات المحتاجة إلى مخيال يحسن استثمار ثلاثة فنون: فن الاسترجاع، وفن الحكي، وفن الإخراج.
لنجرد ابتداء المصطلحات من تيمة ” العنف المشروع” ونشرع في الموافقات والمطابقات.
كان ميدان النزال من اختيار النبي ( ص) قرب ماء بدر؛ مع قلة صابرة واثقة ومستعدة. عمت لحظات “الحيرة” قبيل معركة الحسم/ والفرقان. الجميع مستغرق في الدعاء؛ والنبي أمير وقائد يحرض الصحابة على الإنجاز ويبشرهم بالنصر الأكيد. ينزل غيث مفاجئ؛ سماه القرآن غيث التطهير اذهابا لرجز الشيطان وتتبيثا للأقدام [ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ]؛ لقد استغرق الجميع في الدعاء؛ وجميع أهل المدينة يترقبون لحظة إعلان النصر؛ وقد كتب للبعض منهم أجر المشاركة والنصر لتعلق قلبه بالميدان.
7- إن حضور أميرنا ولي العهد ليس حضورا عاديا وإن إشاراته ليست عابرة؛ وإن نزوله الميدان شخصيا ومتابتعته للمباراة ليس عاديا؛ فكل هذا يمكن تكليف من ينوب عنه فيه. لكن المشهد كله بكل تأثيثه كان مدروسا.
إن المشهد الأميري بجملته؛ كان ( تشكيلا لوعي جديد) يشتغل عليه أميرنا الجديد؛ ويحتاج “نخبة حديثة” تحسن التقاط الاشارات وتحويل ( الحدث) الى سردية فاعلة في ساحة المدافعة الحضارية.
ألم يبرهن ادوارد سعيد في رائعته “الاستشراق” على أن “الغرب” نجح في خلق “سردية الشرق والغرب” وجعلها انشاء معرفيا؛ استعمل كقوة إقناعية لتحقيق اهداف امبريالية !!
8- لقد وفر العقل الاستراتيجي المملكة الشريفة البنية التحتية اقتصاديا ( ميناء طنجة)؛ وثقافيا ( المسارح والمعارض)؛ ودينيا( مؤسسات هيكلة الحقل الديني) ورياضيا ( انتزاع تنظيم كأس العالم: وهي حرب يطول شرح معاركها منذ عهد مولانا الحسن الثاني رحمه الله؛ وكيف حسمها منتصرا مولانا محمد السادس !!) وقد حان وقت بروز “نخبة الحسن الثالث” التي تحمل جينات القناعات الأربعة الآتية:
أ – عقلية تشتغل بمنهجية تكامل المعارف؛ والقدرة على التفكير الواسع العرضاني الجامع بين أكثر من تخصص خصوصا الحقول المعرفية التي لها علاقة بمعالجة ال Data.
ب – روحانية “مؤيدة” تفتح للنفس نوافذ ومسارات من العروج المتصل بجنود معرفية “لا نراها”.
ج – سلامة اليد والذمة من أكل الحرام وهذا شرط الانتصار في ” عوالم الحرب الخفية”؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.
د – ارتباط وجداني ومعرفي ورمزي بإمارة المؤمنين وهو شرط في “الصديقية”؛ التي تلتقط الإشارة وتحولها إلى مشاريع في ساحة الإنجاز الممتدد من ساحات الظاهر الى ساحات السبيرانيات والرمزيات؛ حيث ( نادي الكبار).
9 – أتمنى من المركز السينمائي المغربي ومن كتاب السيناريو؛ ومن مخرجينا العباقرة أن يشتغلوا على ورش تحويل “اللحظات الأميرية” الى سرديات فنية خالدة؛ ترسم ” الثورة الرياضية للأمير الحسن والشعب”. فكم هو ساحر وخطير فعل وتأثير الصورة في الوجدان والذاكرة واللاشعور والمخيال ولابد أت يجتهد صناع الصورة والمؤثرون الإجتماعيون في معانقة اللحظات الرمزية لملوكنا؛ ويخلدوها في اعمالكم الفنية؛
10 – لقد دخل العالم مرحلة حروب “الجيل الرابع والخامس والسادس”؛ الحروب التي تحسم فيها المعارك “قبل” ساحات القتال؛ في ميادين النفس والوجدان والمخيال وتسخير كل الكائنات في هزيمة العدو.
فمراكز البحوث تعكف اليوم على صناعة وتطوير القذائف النفسية؛ والهجومات النفسية؛ وآليات النسف النفسي؛ والراجمات والصواريخ النفسية؛ وتبدع في رسم استراتيجيات لضرب العدو نفسيا؛ وتدمير الدفاعات النفسية؛ وتفكيك التوابث الوطنية فكريا ومعرفيا وثقافيا؛ واستعمار أقاليم ومساحات نفسية في أعماق العدو. وتطوير مهارات لضرب الهوية الوطنية بأسلحة “بكثيرية” نفسية؛ واستعمال أسلحة “دمار شامل نفسية” تحتوي على فيروسات مصممة لسرطنة الرؤية الجنسية والمساحات العاطفية والبنيات الأسرية. وهناك قنابل متخصصة في ضرب الأمن الروحي، وخلق التشويش العقائدي للشعوب؛ هناك تقنيات لزرع الجواسيس داخل المواقع الالكترونية لنشر البلبلة الفكرية؛ وبث الشائعات المزعزعة للاستقرار والمستهدفة للأمن الاجتماعي والاقتصادي، عن طريق تفريخ آلاف المواقع الالكترونية بأسماء مستعارة؛ مستعملة الذباب الالكتروني قصد تشكيك الناس في رموزهم الوطنية والتاريخية؛ وخلق شرخ نفسي بين القيادة الوطنية والشعب.
11 – واليوم؛ يعيش وهما مركبا من يعتقد بأن “كرة القدم” مجرد ( لعبة أطفال وشباب )؛ وعبارة عن ( تسلية ولهو).
والحقيقة التي يدركها اولوالالباب الراسخون في المعرفة؛ هوأن كرة القدم أصبحت ( أداة من أدوات الحرب الناعمة) في ساحات خفية تدار فوقها حروب رمزية؛ يسقط فيها آلاف القتلى والجرحى والمعطوبين ومآت المشردين يوميا؛ لا يرى السذج إلا آثارها المادية من: سجون ممتلئة ومستشفيات منهكة وشباب مدمن؛ وأجيال فاقدة للبوصلة؛ وأسر متفككة؛ ودول ممزقة وشعوب لاجئة. ولكن؛ ما هذه المآسي الا نتائج “لكر وفر” غير مرئي يمارس في الخفاء وبأسلحة الخفاء.
الم يحذرنا القرآن من “عدو الخفاء” الذي هوالشيطان: “إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا”. ألم ير الصحابة من غزوة بدر (إلا ظاهرها) وهو الخيول والسيوف والرمال والحصى وماء بدر. حتى نزل القرآن ينبه على ” الحرب الخفية” التي شارك فيها الشيطان شخصيا وجنوده [ [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي “أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ” إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]؛
وفي المقابل شارك فيها جبريل شخصيا وآلاف من الملائكة مردفين [ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ]
الا يكفي هذا التلميح القرآني ليستوعب العقل المسلم أن في المعارك ( زوجين اثنين) ظاهر وباطن. حرب الظاهر بترسانتها المادية الملحوظة وحرب الباطن والخفاء بترسانتها: الرعب والترهيب والبشرى وتحطيم المعنويات والمناعة الايمانية والتثبيت وغيرها.
12 – وختاما: إن من الحزم الاشتغال على تعزيز القوة الناعمة؛ وتنويع تشكيلات إخراجها للجمهور؛ فصور أمير المؤمنين ومبادراته وصور الأمير مولاي الحسن وتحركاته؛ ينبغي أن ( تحول ) إلى “إنشاء” سينمائي، وسرديات ملحمية، وسيناريوهات وثائقية؛ تفعل فعلها اللطيف والناعم في “الجغرافية التخيلية” للناس؛ حتى نستطيع تسجيل أهداف في الميادين النفسية كما نسجلها في الميادين الواقعية.
التعليقات