الأزمة الإيرانية: المفاوضات أصعب من الحرب

7 فبراير 2026

علي البلوي

دونالد ترامب، الرجل الذي بنى إمبراطوريته العقارية على مبدأ “اطلب الكثير لتحصل على ما تريد”، يطبق الآن نفس الأسلوب مع إيران في محادثات مسقط التي انتهت توا.

استراتيجيته واضحة وبسيطة: مارس أقصى ضغط ممكن، امنح الطرف الآخر خيارات محدودة، وارفع سقف المطالب إلى الحد الأقصى لتحصل على أكبر قدر من التنازلات.

هذا ليس نهجاً دبلوماسياً تقليدياً يقوم على التفاوض والمساومة المتبادلة، بل هو فن الإملاء بعقلية رجل الأعمال الذي اعتاد أن يفرض شروطه على الطرف الأضعف.

المنطق التجاري لترامب واضح ومباشر: عندما يكون الطرف الآخر تحت ضغط هائل، سيقبل بتنازلات لم يكن ليقبلها في ظروف عادية.

لذا نرى التعزيز العسكري البحري الأميركي قرب إيران، والضربات السابقة على المنشآت النووية في يونيو الماضي، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، كلها أدوات ضغط مصممة بدقة لدفع طهران نحو الاستسلام.

ترامب لا يطلب وقف البرنامج النووي فقط، بل يضيف إليه برنامج الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات المسلحة، وحتى التدخل في كيفية تعامل النظام مع شعبه.

السقف مرتفع جداً بشكل متعمد، والخيارات محدودة بشكل مدروس: إما القبول بكل الشروط دفعة واحدة، أو مواجهة “أمور سيئة للغاية” كما هدد.

لكن هنا تكمن المشكلة الجوهرية: الفرق الكبير بين صفقة عقارية وصفقة سياسية. في الأولى، المسألة تُقاس بالمال والربح والخسارة، أما الثانية فتُقاس بالكرامة الوطنية والسيادة والكبرياء القومي.

يمكنك أن تفاوض على سعر برج سكني، لكن لا يمكنك أن تفاوض دولة على كرامتها بنفس المنطق. إيران ليست شركة مفلسة تبحث عن مخرج مالي، بل قوة إقليمية لها تاريخ عريق ونظام يرى نفسه حامياً للاستقلال ضد الهيمنة الغربية.

ترامب بعقليته التجارية يدرك جيداً أن الحرب مع إيران ليس لها شعبية في أميركا، وأن الكونغرس يتردد في دعم مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. الرأي العام متعب من الحروب الطويلة والمكلفة. لذلك، كان عليه أن يظهر “مرونة” و”استعداداً للحوار” قبل أي تصعيد، ليس لأنه يؤمن بالحل الدبلوماسي، بل لبناء سردية مقنعة أمام الداخل والعالم.

قبوله بالتفاوض ونقل المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عُمان كانت خطوات محسوبة بدقة. اختيار مسقط لم يكن عشوائياً، فعُمان لها تاريخ طويل في الوساطة بين واشنطن وطهران، وحيادها مقبول لدى الطرفين. هذا يرسل رسالة: “لقد حاولنا الحل السلمي، لقد اخترنا وسيطاً محايداً، لقد مددنا يدا السلام”.

لكن الحقيقة التي كشفتها محادثات مسقط أكثر وضوحاً: المفاوضات لم تكن للتفاوض الحقيقي، بل لتسليم إنذار نهائي مغلف بغلاف دبلوماسي. الوفد الأميركي حمل رسالة مباشرة من ترامب شخصياً إلى خامنئي، تتضمن كل الشروط الأميركية بوضوح صارخ.

لم يكن هناك نقاش حول بنود قابلة للتفاوض، بل تسليم قائمة مطالب محددة ونهائية. هذه ليست طاولة حوار بالمعنى الحقيقي، بل تسليم أوامر.

الأهم والأخطر: طلب الوفد الأميركي من الجانب الإيراني أسبوعاً واحداً فقط للرد بالإيجاب على الرسالة.

ليس أسبوعاً للتفاوض حول التفاصيل، ليس للمساومة على البنود، ليس لتقديم مقترحات مضادة، بل أسبوع واحد للقبول أو الرفض. خذها أو اتركها. نعم أو لا. هذا ليس حواراً دبلوماسياً، بل إنذار عسكري بلغة دبلوماسية مهذبة.

هذه المنهجية تكشف الاستراتيجية الحقيقية: بناء سردية واضحة للرأي العام والكونغرس. السردية بسيطة: “لقد مددنا يدنا للسلام، لقد ذهبنا إلى مسقط، لقد منحناهم فرصة، لقد نقلنا المفاوضات إلى وسيط محايد، لقد أعطيناهم وقتاً”. وعندما ترفض إيران أو تطلب تعديل الشروط، يستطيع ترامب القول: “لقد حاولنا، لكنهم رفضوا. لقد أضاعوا فرصة السلام. الآن لا خيار سوى الخيارات الأخرى”.

هذه الاستراتيجية المزدوجة تحقق هدفين استراتيجيين. داخلياً، تبرر أي تصعيد عسكري أمام الكونغرس والرأي العام بأنه “حاول السلام بكل الطرق لكنه فشل بسبب تعنت إيران”.

خارجياً، تحمّل إيران وحدها مسؤولية انهيار المفاوضات وما يتبعها من عواقب. إنها عبقرية العلاقات العامة السياسية: اصنع المشهد، تحكم بالسردية، حمّل الطرف الآخر وزر الفشل.

رسالة ترامب إلى خامنئي ومهلة الأسبوع الواحد ليست عرضاً للسلام، بل إنذار أخير مغلف بغلاف دبلوماسي. وخامنئي، الذي قاد إيران لأكثر من ثلاثة عقود عبر حروب وعقوبات وضغوط دولية، لن يوافق بسهولة أمام هذا الإملاء، التاريخ يتكرر برسالة بوش الى صدام ورفض طارق عزيز حملها.

منهجية ترامب في التفاوض واضحة: اخلق أقصى ضغط ممكن، اجعل الخيارات محدودة، ارفع السقف للحد الأقصى، امنح مهلة قصيرة للرد، واصنع سردية تجعلك البطل الذي حاول السلام وجعل الطرف الآخر هو المتعنت الذي رفض. هذا يصلح في صفقات العقارات حيث المال هو المقياس، لكنه يصطدم بجدار صلب عندما يواجه دولة ترى في هذه الشروط إهانة لكرامتها وتهديداً لوجودها.

المفاوضات في عالم ترامب ليست بحثاً عن حل وسط، بل أداة لفرض الإرادة أو خلق ذريعة للتصعيد. محادثات مسقط لم تكن استثناءً، بل تأكيداً لهذه القاعدة. الرسالة كانت واضحة: إما الاستسلام الكامل، أو الحرب. وهذا بالضبط ما يجعل المفاوضات أحياناً أصعب وأخطر من الحرب نفسها.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...