“الأحزاب العيساوية” وأنماط التلقي: بناء الوعي في ضوء نظرية تحليل الخطاب
د. أسامة بن هامل
رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية
في هذه الحلقة، سنحاول الغوص في جزء هام من أدبيات الطريقة العيساوية، متعلق بــ”أحزاب الطريقة”، وأشهرها: “سبحان الدايم لا يزول”، و “الحصن والاستقامة”، و”الإبريز”، مقاربة ودارسة من داخل نظرية تحليل الخطاب، وكيف أبدع الشيخ الكامل محمد بن عيسى وسائل خطابية تجاوزت زمنه وخلقت وعيا مجتمعيا وحضاريا راقيا فاق فيه أساليب الأكاديميات والجامعات في قدرتها على التأثير المستمر. وحتى لا نطيل سأكرر هنا كلام سبق لي أن قلته حول هذه الأحزاب، ووثقه مولانا الشيخ أحمد القطعاني، الشيخ العام للطريقة العيساوية، ما يدل على قبوله له. وأهميته في أنه كلام يؤسس لهذه المقال، وهو: “وللبحاثة النفاعة الشريف السيد أسامه علي بن هامل الفيتوري وهو من مشايخ الطريقة العيساوية ملاحظة ذات علاقة بالموضوع، يقول : أحزاب الطريقة ليست لطبقة واحدة من المريدين، فأحزاب سبحان الدايم والفلاح للشيخ الجزولي والفتح للشيخ الكامل ثلاثتها سهلة اللفظ قريبة المعنى يمكن للعامي لفظها وفهمها بيسر، بينما حزب الحصن والاستقامة للشيخ الكامل يخاطب العلماء وطلبة العلم إذ كله استشهادات بآيات كريمة وأحاديث نبوية وأذكار وردت في كتب السنة، وأدعية تخص هذه الفئة تحديدا كقوله: اللهم اجعلنا من العلماء العارفين والمشائخ المحققين. أما حزب الإبزير بلغته الصوفية العميقة فهو للصفوة ذات الذائقة الصوفية العاليه مما لا أعتقده يوظف للعامة من الناس ولا لطلبة العلم مثلا. ويبين هذا أن من كانوا حول الشيخ أنواع وثقافات شتى وليس المتصوفين فقط” (ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 38).
وطلبا للاختصار، لن أورد نصوص هذه الأحزاب، وكذلك لشهرتها وتداولها بين عموم المسلمين، وسهولة الرجوع إليها في مضانها، لننفذ مباشرة الى ملاحظة أن القراءة الدلالية والخطابية لنصوصها تكشف عن بناء لغوي مختلف في كل نص عن الآخر، وكأنها توزع مواقع المتلقين ويقترحها على القارئ ليختار موقعه فيها، فتبدو أول ملاحظة هي: ما الذي تقوله نصوصها وكيف تقولها، والعلاقة التي تشكلها لغتها بين المتكلم والمخاطَب فردا أو جماعة، حتى لكأنها تنشئ مستويات خطابية تنتج أنماطا مختلفة للوعي.
ففي حزب “سبحان الدايم” نجد أن اللغة تتشكل بطريقة تجعلها قابلة لأن تُتلى جماعيا، بجمل قصيرة متوازنة وإيقاع قابل للتكرار يسهل الحفظ ويغري بالمشاركة، وهو ما تعزّز تاريخيًا من خلال صوغ أساتذة هذه المدرسة طبوع موسيقية مختلفة لقراءته بحسب أقطار المغرب العربي كل بطبعه الموسيقي المحلي. ومما يجب اثباته هنا، ملاحظة الافتتاح بــ”سبحان الدايم لا يزول” وما يحمله من دلالات الخطاب، فأول وهلة يعلن الحزب عن تجاوزه للزمن وديمومة نصه كأهم نص فكري عرفته تاريخ المغرب العربي، فقد استمر في تداولية مجتمعية على مدى خمسة قرون. وثانيها أن هذا الافتتاح تحول الى هوية للحزب ومفتاح دلالي على مضمونه الكامل، حتى انه يحيل الى مضمونه ورسالته وإن انفصلت هذه العبارة عنه.
ومما يسجل في خطابيات الافتتاح وظيفته التنظيمية داخل القراءة الجماعية، حيث يضبط الإيقاع ويوحد الصوت، وبذلك يمهد المتلقي لما سيأتي بتحديد الإطار العام للفهم منذ اللحظة الأولى. ثم تتوالى الصيغ في الجمل التالية على الافتتاح لترتيب العلاقة بين العبد وربه في نسق ثنائي متكرر: “نعم المولى واجب والمخلوق جايز، نعم المولى قديم والمخلوق حادث، نعم المولى غني والمخلوق فقير، نعم المولى كامل والمخلوق ناقص” كآلية ترتبط بالايقاع لالتقاط المعنى دون ادخال القارئ في جدل التعريفات النظرية والتفريغات الكلامية، فينتج الحزب بهذا الخطاب إدراكًا عقديًا دون استدعاء الجدل النظري في علم الكلام، فالثنائيات مثل “واجب/جايز” و”قديم/حادث” تنغرس كمفاهيم مستقرة في الوجدان في سياق ما استقر من الاعتقاد الأشعري، عقيدة سائر الأمة الإسلامية. يمكن القول هنا أن الخطاب له أهداف جليلة أخرى، بالنظر الى ما عايشه المغرب العربي في سياقات تاريخية ماضية مما كان يهدد العقيدة الإسلامية، غزو صليبي من الخارج واختراقات خطيرة وصلت حد تفشي ظاهرة ادعاء النبوة، وعليه فعبارات الحزب المصاغة ببساطة قابلة للتداول انتجت خطابا لبناء مناعة تحصينية داخلية، فدون أي مواجهة أو مجابهة تمكن الحزب من ترسيخ حس مشترك يحصّن الجماعة والفرد داخل الجماعة، وهذا الهدف الجليل السامي كان وراء تبسيط عباراته ومفاهيم العقيدة لاستيعاب مختلف الشرائح داخل المجلس الجماعي، فالشرط في مجلس حزب “سبحان الدايم” القدرة على المشاركة وليس المستوى العلمي أو الاجتماعي.
وإذا انتقلنا إلى حزب “الحصن والاستقامة” نجد أن شك الخطاب يتغير بصورة واضحة، فاللغة ليست مبنية على التوازي البسيط والتكرار الصوتي، وإنما تقوم على تراكم الاستشهادات وربط الجمل بمصادرها، سواء من القرآن الكريم أو من الحديث الشريف، لتصبح جمل الحزب وسيلة للفهم في شبكة من الاحالات على الأصلين، القرآن والسنة، وليس للحفظ والترداد، فكل استشهاد ضمنه الشيخ الكامل في سياق دقيق للغاية يدفع القاريء على استحضار معنى الآية والحديث من داخل موقعها في نص الدعاء. من هنا أمكنني القول بأن نص هذا الحزب لطبقة المتعلمين، فهي الشريحة التي تملك قدرة على الربط والاستحضار وفهم تراكيب الحزب في شكل مستويات عديدة. والملاحظ أن هذا الحزب يقرأ بشكل فردي، فهو من الأحزاب التي تقرأ جماعية كحزب سبحان الدايم، ما يعكس فلسفة خاصة أرادها الشيخ الكامل من صياغته له، فالانتباه هنا ليس جماعيا وإنما فردي، ما يعني أنه هدف بأن يضع المريد في مواجهة مع ذاته، وربما يقع هذا الحزب ضمن ورد المحاسبة وهو أحد أهم أوراد هذه الطريقة (ينظر: الغوث في أوراد الشيخ محمد بن عيسى الغوث، الشيخ أحمد القطعاني، ص 159). ولعل هذا الملحظ هو ما يدل عليه منطوق بعض جمله، بما فيها من فتح لمجال لمحاسبة المريد ومراجعته لنفسه، مثل قوله “النظر إلى أنفسنا بعين التقصير”، وقوله “اللهم اجعلنا من الذين نورت قلوبهم ووجوههم”، “اللهم إنا نستغفرك من كل ذنب” وغيرها، فخي جمل تعيد تنظيم العلاقة بين المريد ونفسه، وبين الفرد وربه، وليس فيها ما يحيل الى المعنى الجماعي.
وبمعنى آخر، ربما يجوز القول أن هذا الحزب يمثل خلوة يومية للمريد ليراجع مساره اليومي لمراقبة سلوكه ضمن مسار بناء الذات الواعية، بالإضافة للوظائف التعليمية والعلمية الأخرى، كأهمية الاستشهادات القرآنية والحديثية في تفعيل الذاكرة العلمية وتدريبه على تنشيط فهمه من خلال عيشه المعرفي المتكرر داخل النص.
وفي الحزب الثالث، وهو حزب “الإبريز”، والإبريز هو صفاء الذهب في خلوصه، يرتقي الخطاب إلى مستوى تتكثف فيه العبارة الصوفية لتشكل مجالا مفتوحا يتيح للمريد أن ينزل فيه حاله في أي مقام كان، فجمل الحزب تستوعب كل المنازلات في مدارج الترقي ومعارج السير، فيجد فيها من المعاني بقدر ما انفتح له من الذوق، وبمعنى أوضح فالكثافة اللغوية هذه وسيلة خطابية لتوسيع دائرة التلقي وحتى لا يُحبس المعنى في حدّ واحد.
والسر في ذلك، أن بنية الحزب من أوله الى منتهاه تنتظم حول مبدأ عيساوي أصيل، وهو مبدأ الحب والجمال الذي عقد له شيخنا القطعاني مبحثا خاصا في مرجعه الصوفي الهام: أعلام الطريقة العيساوية، عنونه بــ”مدرسة حب وجمال”. والمحبة – كما هو معروف – علامة عيساوية مميزة نبه عليها المؤرخين عندما قالوا أن الشيخ الكامل “كان آية في المحبة” وأن “المحبة عيساوية”، وهو ما يلاحظ في أن الحزب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في مركز البناء منذ بدايته، باعتباره أصل المحبة ومنبعها ومنه تتشكل بقية العلاقة مع الله.
يفتتح الشيخ الكامل الحزب بعبارة تبدو متصلة باسمه “الإبريز”، لكن في الحقيقة تلخص هذه العبارة منطق الخطاب كله في تركيب وصل لا انفصال فيه: “إبريز كنز العز والفوز العظيم وإنسان عين الحسن الباهر القويم الحائز بما لا يدرك في النظر بمعاني الاكتساب في الأزل القديم شمس الحقيقة اللائحة بسمت العناية وغاية منتهى النهاية في الصدق العميم راية الحلم المطوقة بنور سر عين الحياة الفائز بشمائل الفضل والتكريم”، لينشئ مجالا دليلا مركبا تتلاحق فيه الأوصاف النبوية دون توقف، ما يجعل القارئ منخرطا داخل نسق واحد للصورة النبوية.
هذا الوصل المستمر المتلاحق ينقل مستوى الخطاب من التحليل والنظر الى الانجذاب الكلي لصورة الحضرة النبوية، وهو ما تنبه عليه عبارته: “بما لا يدرك في النظر” إذ تعلن عجز الإدراك العقلي لتفتح باب التلقي الذوي القائم على الحضور، لا على التفهم التفكيكي للأوصاف، فعبارات “كنز العز” و”عين الحسن الباهر” و “غاية منتهى النهاية” تبني حقل دليلا لمصدر الحب والجمال صلى الله عليه وسلم كباب لدخول الحزب.
ثم ينقل هذا الافتتاح الخطاب إلى مناجاة تتشكل فيها العلاقة مع الله داخل أفق الرجاء والترغيب، كما في قوله: “فلولا الظهور منك برؤية الجمال لهلك الكل بالكل” معيدا ترتيب العلاقة بين العبد وربه على الرجاء لا الخوف والترغيب ولا الترهيب، وهي معاني تتعمق في الجمل المتتالية تدريجيا: “ولو أسندتنا إلي أحد سواك طرفة عين ما سلم من أتى بنصف ذرة من الذنب لكن فضلك عميم على جميع خلقك وإن كان العدل منك مهلكا لمن عصاك فأخفاه سترك بحجاب الفضل” فيتكرر حضور “الفضل” و”الرحمة” و”العفو” ليتشكل حال قوامه الطمأنينة والحب والرجاء.
ثم يعود الخطاب في نهاية الحزب كما بدأ “غاية منتهى النهاية” لكن في مستوى آخر يتجاوز حضرة الوصف الى حالة الحضور المباشر بخطابية لدلالات أعمق في المفاهيم السائدة، فعلى سبيل المثال يقدم في قوله: “وارزقني شفاعته الكبرى ولا تحل بيني وبينه طرفة عين وغيبني في محبته” معنى آخر للشفاعة لا يرتبط بالتصور المتداول حول النجاة في الآخرة، وإنما في الاتصال وطلب القرب على الدوام “ولا تحل بيني وبينه طرفة عين”، بل ونفي كل مسافة زمنية أو وجودية “وغيبني في محبته”.
ولا يذهبن فهم القارئ بعيدا فيعتقد أن مستويات الخطاب في الأحزاب الثلاث هي بمثابة اعلان عن تقسيم اجتماعي، فهي ثلاث أنماط من التلقي، الأول، في حزب سبحان الدايم، خطاب قابل للاشتراك الجماعي، والثاني، في حزب الحصن والاستقامة، خطاب يطلب حضورًا بوعي فردي قادر على ربط الاحالات والمراجعة، والثالث، في حزب الإبريز، خطاب يختزل بشكل عملي ومباشر نظرية الحب والجمال العيساوي.
التعليقات