استعادة الدين من أيديولوجيا الجماعات
عبد السلام صالح، كاتب مصري من مؤسسة الأزهر
إحدى الوظائف الكبرى للدين هي تلك الطمأنينة والسكينة التي يمنحها للإنسان، فالدين يشبع احتياج هذا الكائن البشري للأبدية ويفسر له الموت باعتباره تلك الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع أحد أن يشكك فيها. من هذه الحقيقة ينطلق عبدالجبار الرفاعي في إثبات أن الفلسفة والفنون والآداب تحاول تقديم تفسيرات لمعنى الحياة وسؤال الموت، إلا أن الدين هو صاحب التفسير الأخصب كونه يُلبي عطش الإنسان إلى الكمال والخلود. فالوجود الإنساني في جوهره ناقص، مفتقر، كحال كل الممكنات، متطلع دائمًا إلى ما يسدّ ثغراته. هذا العطش لا يروي غليله شيء بعمق كما يفعل المقدس الكامل، واجب الوجود، ومن هنا تأتي أهمية الدين باعتباره المورد الأعمق للمعنى.
يمزج عبد الجبار الرفاعي في كتاباته بين الجمال الأدبي والعمق الفلسفي، وهذا مهم في حقل فلسفة الدين الذي كثيرًا ما أُثقل بالجدالات العقلية والمصطلحات الجافة، ويأتي في المقدمة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» الذي أعاد تقديم الدين كحياةٍ في أفق المعنى، حياة تروي العطش الوجودي للإنسان بعدما جرى حصره طويلًا في قوالب الأيديولوجيا والشعارات التي صاغتها الجماعات الدينية. فالرفاعي يستعيد البعد الوجودي والأخلاقي للدين، بوصفه بحثًا دائمًا عن السكينة والمعنى في عالم مضطرب، ويمنحه لغة رقيقة قادرة على النفاذ إلى الوجدان، بعيدًا عن الجفاف المدرسي والتوظيف السياسي.
تكشف تجربة عبد الجبار الرفاعي في العمل الحزبي عن أحد أخطر مآزق التدين الحركي، وهو ضياع الذات في الجماعة. فقد عاش سنواته السياسية في فضاء تتلاشى فيه الحدود الفردية، حيث تعمل الجماعات على تنميط أعضائها وصهرهم في قالب واحد: نفس الرؤية، نفس المفاهيم، نفس المواقف، حتى الأحلام والمشاعر تصبح نسخة مكرورة. هذا التنميط ـ كما يراه الرفاعي ـ يفضي إلى فقدان الفرد صوته الداخلي، وإلى تهميش الحياة الروحية والأخلاقية لصالح شعارات جماعية صاخبة.
“الموهوبون الشجعان غالبًا ما يتمردون على هذه الأغلال باحثين عن ذواتهم الضائعة، بينما يظل الخائفون أسرى داخل الأسوار، يتطلعون إلى كل صوت يعبّر عن جروحهم المكبوتة وأنينهم الصامت”. ومن هنا تبرز لحظة الانعطاف في تجربته: لم يستعد ذاته إلا بعد أن غادر السياسة، وابتعد عن العمل الحركي، ليكتشف أن الخلاص من الأيديولوجيا شرطٌ ضروري لعيش سلام داخلي تبتهج به الروح، ولرؤية النور الذي يكشف له الأشواك في دروب الحياة.
يحاول الكاتب أن يحرر الدين من قبضة التفسيرات الأيديولوجية التي صاغتها الجماعات الحركية عبر عقود. فهو يرى أن أخطر ما وقع فيه الدين في العصر الحديث هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي، حيث يُعاش كتجربة وجودية تمنح الإنسان المعنى، إلى المجال الأيديولوجي، حيث جرى تحويله إلى أداة للتعبئة والقتل والإبادة والتدمير.
الرفاعي يعتبر أن هذه الانحرافات وضعت الدين في مأزق تاريخي، وأدت إلى نتيجة مزدوجة: فمن جهة، وقع التدين أسير الاستخدام السياسي، ومن جهة أخرى، دفع بعض النخب إلى ازدراء الدين واحتقار التدين، بعدما لم يجدوا فيه سوى الصورة المشوهة التي قدمتها الجماعات الأيديولوجية. لكنه يرى أن كل من يتهكّم على الدين أو يسخر من التدين لا يصلح لمهمة التجديد، لأن التجديد يبدأ من استشعار الحاجة الوجودية إلى المقدس.
يمكن وصف مشروع الرفاعي بأنه بحث دائم عن المعنى أو سياحة في عالم المعنى كما يردد؛ ينقب عنه في ركام الخطابات الدينية، يرى في الدين نهرًا من الحياة يجري في الوجدان الإنساني، لا جدارًا يحاصر الروح. جوهر مشروعه هو استعادة المعنى المفقود، وإبراز الدين كتجربة حيّة تُعاش في فضاء مفتوح على أسئلة الإنسان وأشواقه، لا في حدود المقررات الدراسية الجامدة.
ومن هذا المنظور يفسّر الرفاعي ظاهرة التحاق بعض الشباب الأوروبيين بداعش والجماعات المتطرفة؛ فهم لم يكونوا مدفوعين بالحاجة المادية، بل بانعدام المعنى في حياتهم. لذلك يهاجرون إلى “ولائم الذبح” و”حفلات الرقص على أشلاء الضحايا” بحثًا عن معنى مفقود، حتى وإن كان زائفًا أو مدمّرًا.
هكذا يمثّل مشروع عبد الجبار الرفاعي حاجة راهنة إلى تحرير الدين من الاستئثار والتوظيف السياسي، وإعادته إلى نصابه الحقيقي في حياة البشر، لا آلة للقتل أو شعارًا للصراع. إنّه مشروع لتحرير البحث الديني من الاتجاهات المغالية، سواء في نفي الدين أو في إثباته، والعودة به إلى أصله الوجودي.
يقول: «تعلمت من الإنسان والتاريخ والواقع أن الدين أبدي في الحياة البشرية. الإنسان كائن متدين، وإن اختلفت تجليات التدين، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعًا للزمان والمكان والثقافة، وتنوع البشر واختلافهم. الحياة لا تطاق من دون إيمان وحياة رُوحية. التدين كما أعيشه يمثل لديَّ ظمأً أُنطولوجيًّا لا يُروى إلا من خلال التواصل مع الحقِّ تعالى».
هذا الإيمان الذي ينشده عبد الجبار الرفاعي غير منفصل عن الأخلاق والعبادات، يؤكد في مواضع كثيرة أنه لا يتذوق حلاوة الإيمان، ولا تضيء التجرِبة الدينية رُوحه من دون أداء الصلاة والتمسك بالتقليد العبادي المستمد من الإسلام وشريعة نبيه. «الصلاة والعبادات التي أؤديها هي معراج وصالي مع الحق، وهي جسر عبوري إليه في مدارج التسامي والصعود. وحسب تعبير المتصوفة والعرفاء: الشريعة توصلنا إلى الطريقة، والطريقة تقودنا إلى الحقيقة، فحين نتخلى عن الشريعة لا ننال الطريقة، وبالتالي لا نتذوق الحقيقة».
التعليقات